القاهرة ــ غزيرة كانت الدموع التي انهمرت أمس من عيون المصريين. عشرات الملايين الذين اخترقوا الظلام، وتماوجوا لساعات في شوارع مصر، من سيناء إلى القاهرة مروراً بكل مدينة وقرية شعر سكانها بأن جبلاً ثقيلاً قد انزاح عن أكتافهم. أحسوا بأن للحياة طعماً آخر. نكهة أخرى. حتى التنفس، بات أكثر انسيابية. الهواء أصبح فجأة عليلاً. وعادت «الدنيا حلوة». لا مبارك بعد اليوم. لا ظلم بعد اليوم. لا معتقلات بعد اليوم. لا تعذيب بعد اليوم...

هي الفرحة الحقيقية الأولى منذ عشرات السنين. ربما منذ انتصار الضباط الأحرار في تلك الثورة المباركة قبل نحو 60 عاماً. فرحة أعادت الأمل إلى شعب أصيل، عانى ما عاناه منذ فجر التاريخ، منذ الفرعون الأول، بصبر وأناة. شعب برع في تحويل المآسي نكاتاً، والآلام ابتسامة.
عند الساعة 6:02 من مساء الجمعة 11 شباط 2011، انتهى درب الآلام الذي بدأت المرحلة الأخيرة فيه قبل ثلاثين عاماً. خرج نائب الرئيس المصري عمر سليمان ليعلن قرار مبارك التنحّي وتكليف العسكر إدارة شؤون البلاد. 35 كلمة ألقيت في خلال 40 ثانية كانت كافية لإسدال الستار عن عصر كامل من الطغيان: «بسم الله الرحمن الرحيم، أيها المواطنون، في هذه الظروف العصيبة التي تمر فيها البلاد، قرّر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد، والله الموفق والمستعان». لكنها بضع كلمات لم تخرج تلقائياً. جاءت ثمرة تضحيات جسام ودماء شهداء سقطوا في ثورة النيل ومسيراتها المليونية، وأيضاً ثمرة صراع ومفاوضات خلف الكواليس انتهت إلى ما انتهت إليه. كلمات حسمت صراعاً كان يدور بين الجيش ومبارك خلال الأيام القليلة الماضية. فقد توصل الجيش، الذي ظل طوال الفترة الماضية واقفاً مع الشرعية الدستورية ممثلة بمبارك، بعد مليونية الثلاثاء وبداية العصيان المدني، أن «الرئيس أصبح خطراً على أمن البلاد»، على ما تفيد مصادر مطلعة.
كان عمر سليمان يعد لخطة لإخلاء الميدان رفضها الجيش، ومنذ تلك اللحظة أصبحت المعركة بين نهجين. النهج الأول، نهج النظام، يفيد بأن هذا الأخير يريد الحفاظ على نفسه محتمياً بشرعية مبارك وبإدارة عمر سليمان. أما النهج الثاني، وهو نهج الجيش، فكان مراقبة اتجاه الأوضاع لاتخاذ قرارات عبر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد تحييد وزير الدفاع حسين طنطاوي عن النقاشات الدائرة داخله على قاعدة أنه ينتمي إلى النظام أكثر منه إلى قيادة الأركان، على ما توضح المصادر نفسها.
بدأ الجيش منذ الأربعاء يصرّ على النظام لكي يحسم أمره ويقدّم مشروعاً مناسباً لإنهاء الأزمة، فكانت فكرة التفويض إلى عمر سليمان التي أصر مبارك على إعلانها أول من أمس برغم رفض الجيش الذي اعتبرها «تحايلاً». في مقابل هذا الإصرار، سرّب العسكر البيان رقم واحد، الذي أعلن من دون إطلاع مبارك عليه، في خطوة استباقية قبل تلاوة مبارك خطابه الأخير أول من أمس، «الذي لم يشر فيه إلى المادة الدستورية التي استند إليها في التفويض إلى سليمان، ببساطة لأن مادة كهذه لا وجود لها».
في خضم هذا الصراع، سجل مبارك الخطاب، عند الرابعة من بعد ظهر الخميس وغادر إلى شرم الشيخ. اندلع سجال بين الجيش وسليمان حول إذاعته من عدمه، فكان موقف مبارك «أذيعوه وافعلوا ما شئتم بعد ذلك»، على ما توضح المصادر.
مع إذاعة هذا الخطاب، «تصرّف سليمان وكأنه حصل على تفويض برئاسة الدولة وباشر تعيين نائب لرئيس الوزراء من لجنة الحكماء للتفاوض مع قادة الثورة على أساس أن خريطة الطريق التي سبق أن أعلنها لا تزال صالحة، وطالب المتظاهرين بالرجوع إلى منازلهم وعدم الاستماع إلى الفضائيات المغرضة». وتقول المصادر «لو أن ميدان التحرير استجاب لدعوة سليمان، لكان الأخير استمر في طريقه. لكن ما حصل أن الميدان صمد ورفض خطاب مبارك وطالب برحيل سليمان ومحاكمته، ما استلزم إجراءات من نوع مختلف». وتضيف أنه «بما أن مبارك قد رحل، طلب الجيش من سليمان حل الموضوع، فرفض. عندها توجّه رئيس الأركان سامي عنان إلى مبنى التلفزيون وأعد بياناً بتحويل مبارك وسليمان إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى. كانت هذه ورقة الضغط التي أجبرت سليمان على الخروج ببيان تنحّي مبارك وتكليف الهيئة العليا للقوات المسلحة بإدارة البلاد». وتوضح «خطوة كهذه أعفت الجيش من تحمّل وزر انقلاب عسكري، ذلك أنه لو خرج عنان وأعلن تنحية مبارك عبر التلفزيون، لكان ذلك انقلاباً. أما أن يخرج نائب الرئيس المدني المكلف الرئاسة ليقوم بهذه المهمة، فهذا يعني أن الجيش تسلم مقاليد السلطة بقرار مدني لإدارة مرحلة انتقالية فيها فراغ دستوري».
عندها صدر بيان المؤسسة العسكرية الذي أكدت فيه أن «المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيتخذ إجراءات للفترة الانتقالية، ويأمل أن يحقق آمال الشعب»، من دون أن ينسى توجيه الشكر لمبارك على استقالته «لمصلحة الأمة»، والتحية «للشهداء» الذين سقطوا خلال الاحتجاجات. بيان لعل أهم ما جاء فيه هو الاعتراف بالشرعية الشعبية التي تستند إليها المرحلة المقبلة. أما أكثر ما أثّر في نفوس المصريّين فكان التحية العسكرية التي أدّاها المتحدث باسم الجيش لشهداء الثورة.
وتتابع المصادر المطلعة أن «المؤسسة العسكرية تفكر على ما يبدو بأن يتولى رئيس المحكمة الدستورية فاروق سلطان الرئاسة مؤقتاً لإدارة المرحلة الانتقالية، على ما ينص عليه الدستور. لكن هناك في المقابل ضغوط من المجتمع المدني لإسقاط دستور 1971 الذي تُحكم بموجبه البلاد، مع ما يعنيه من إنشاء جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد».
ويبقى السؤال: كيف سيحكم الجيش في ظل شرعية الثورة التي لم يقم بها؟ الجواب رهن بالأيام المقبلة، وإن كانت الخطوات الأولى المتوقعة هي التحفظ على عمر سليمان وحل مجلسي الشعب والشورى.
وهكذا، رحل مبارك. هتافات الشارع تتراوح بين «مع السلامة يا ابن الحرامية» و«الشعب خلاص أسقط النظام» و«ارفع رأسك أنت مصري»، ونكات جديدة مثل «اعملناها في 18 يوماً» و«أخذنا كأس العالم للثورات» «وحنحاكمو حنحاكمو وانجيب الفلوس».
ومع انجلاء الصورة، أعلن المعارض محمد البرادعي أن مصر استعادت حريتها وعزّتها. وقال «عدنا الى الحياة». وأضاف «رسالتي الى الشعب المصري أنكم استعدتم الحرية (...) فلنستخدمها بالطريقة الأمثل».
وفيما يعدّ البرادعي أحد المرشحين للانتخابات المصرية المرتقبة في مرحلة ما بعد «الحكم العسكري»، ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية أن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى قال إنه سيترك «خلال أسابيع» رئاسة الجامعة، في إشارة مضمرة إلى نيته الترشّح أيضاً.
وبعد 15 دقيقة على تلاوة عمر سليمان بيانه، أصدر الديوان الأميري في قطر بياناً، نقلته وكالة الأنباء القطرية «قنا»، قال فيه إن قطر «تعبّر عن احترامها لإرادة الشعب المصري وخياراته». وأضاف أن قطر تحيّي «الدور الكبير والهام للقوات المسلحة المصرية في الدفاع عن مصر والأمة العربية ومصالح الشعب المصري، وترى أن نقل السلطة إلى المجلس العسكري الأعلى يشكل خطوة إيجابية هامة على طريق تحقيق تطلعات الشعب المصري في الديموقراطية والإصلاح والحياة الكريمة». وأشار البيان إلى أن قطر «تتطلع لاستعادة مصر دورها القيادي في العالم العربي والإسلامي ودعم ومناصرة قضايا الأمتين العربية والإسلامية». وشدّد على حرص الإمارة على علاقات متميزة مع مصر.
كذلك أكدت الإمارات دعمها لمصر وثقتها بالمجلس الأعلى العسكري. ووصف الأردن الحدث بالتطوّر التاريخي، وأعرب في بيان صادر عن وزارة الخارجية عن ثقته «بقدرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على النهوض بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة».
أما سوريا، ففيما لم يصدر موقف رسمي عنها، كان لافتاً قطع التلفزيون الرسمي السوري لبثه، ونقله صور قناة «الجزيرة» القطرية، وتعليق يفيد بـ«انهيار معسكر كامب ديفيد».
ومن واشنطن، علّق الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب متلفز على خلع مبارك. وقال إن «المصريين أوضحوا أنهم لن يقبلوا إلا بديموقراطية أصيلة وصحيحة». وأشار الى أن أياماً صعبة مقبلة في انتظار مصر، وأن «الفترة الانتقالية يجب أن تأتي عبر طاولة المفاوضات وبمشاركة كل الأطراف». وأكد أن «الولايات المتحدة تستمر صديقة لمصر». ورأى أن «مصر الديموقراطية يمكنها أن تؤدي دورها القيادي في المنطقة والعالم». وأشاد بثورة الشعب المصري، معرباً عن إعجابه بها، كما أثنى على الدور المسؤول للجيش المصري، ودعاه إلى تأمين انتقال «ذي صدقيّة للسلطة».
ولم تخف واشنطن قلقها على معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية، إذ قال المتحدّث باسم البيت الابيض، روبرت غيتس، «من المهم أن تعترف الحكومة المصرية باتفاقات السلام مع إسرائيل».
بدوره، أكّد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن «الشعب المصري أسمع صوته، وخصوصاً الشباب الذين يعود إليهم أن يحددوا مستقبل بلدهم»، داعياً الى «عملية انتقالية شفافة ومنظمة وسلمية».
وفي أوروبا، كانت إسرائيل وأمنها أول ما حضر في بال المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل كي تعلق على الحدث، فدعت الحكومة الجديدة في مصر الى التزام «أمن إسرائيل» ومعاهدة السلام «كامب دايفيد». وقالت «نتوقع من الحكومة المصرية المقبلة أن تواصل عملية السلام عبر التزام معاهدة السلام الموقعة مع إسرائيل وضمان أمن إسرائيل»، قبل أن ترحب ميركل باستقالة مبارك على اعتبار أنها تمثّل «تحولاً تاريخياً».
كذلك، رحبت وزيرة الخارجية الأوروبية كاثرين آشتون بتنحي مبارك الذي «استمع الى صوت الشعب» وفتح الطريق أمام «إصلاحات سريعة وعميقة»، فيما دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى إجراء انتخابات حرة ونزيهة، ووصف قرار مبارك بالشجاع والضروري.
ومن أنقرة، أعلن وزير الخارجية التركي، أحمد داوود أوغلو، في رسالة على موقع «تويتر»، أن بلاده تأمل أن تؤدّي استقالة الرئيس المصري الى تأليف حكومة جديدة تستجيب لتطلعات الشعب.
إلى ذلك، وبعد أقل من نصف ساعة على بيان التنحي، أعلنت سويسرا تجميد أرصدة حسني مبارك، مفتتحة مرحلة مصادرة ثروته التي نهبت أموال المصريين وربما ملاحقته وعائلته أمام المحاكم الدولية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية السويسرية، لارس نوتشيل، إن سويسرا جمّدت أصولاً من المحتمل أنها مملوكة لحسني مبارك. لكنه امتنع عن تحديد حجم الأموال التي يشملها التجميد.




«انتصرت الثورة»

مع الساعات الأولى من فجر اليوم، صدرت الصحف المصرية تهلّل للثورة، حتى الصحف الحكوميّة التي كانت تهاجم المتظاهرين، فصحيفة «الجمهورية» شبه الرسمية كتبت في صدر صفحتها الأولى «تسلمي يا مصر، مبارك يتنحّى والجيش يحكم». أما صحيفة «الوفد» المعارضة فأشارت في عناوينها إلى أن «6 ملايين يحتفلون بانتصار الثورة»، وأفردت مساحات لمشاهد فيديو الاحتفالات في شوارع القاهرة والمحافظات المصريّة.
صحيفة «الدستور» المعارضة اكتفت بعنوان عام: «مبارك يتخلّى عن رئاسة مصر ويكلّف الجيش بإدارة شؤون البلاد»، بعكس زميلتها «اليوم السابع» التي خصّصت صورة كبيرة لمبارك عنونتها بـ«أخيراً انتصرت الثورة ورحل مبارك»، مع عنوان سياسي عريض «مبارك يتنحّى عن الرئاسة والأعلى للقوات المسلحة يتولّى المسؤوليّة».