القاهرة| إلى حين تبين الخطوات التنفيذية المقبلة التي سيقوم بها الجيش وتحديد الموقف منها، استمر المصريون في الاحتفال برحيل الرئيس المخلوع حسني مبارك بأساليب مختلفة. ورغم دوي المفرقعات في سماء ميدان التحرير وأصوات الغناء والعزف ومظاهر الابتهاج، إلا أن الكثيرين لم يصدقوا تماماً أن مصر تحررت من حسني مبارك في غضون ثمانية عشر يوماً.

وتحوّل ميدان التحرير إلى مزار ومركز احتفالات لملايين لم تلتحق به أو بالثورة. فالبعض زار الميدان بداعي الحشرية لمشاهدة المكان الذي صنع التغيير، وآخرون تنادوا إلى الاستمتاع بالاحتفالات والعروض المتنوعة التي تقدم من المنابر الحرة وإذاعات «التحرير» الثلاث التي بقيت مفتوحة على الهواء تبث الأغاني الوطنية، والمسارح التي استحدثها البعض لتقديم عروض موسيقية وفنية وشعرية وشعاراتية من وحي المناسبة.
إلا أن «السكان الأصليين» بدأوا بمغادرته، إما للعودة إلى منازلهم للراحة، أو لاستعادة أعمالهم الاعتيادية. فالدائرة الخضراء في وسط الميدان، التي تحولت إلى مخيم للمعتصمين حتى إسقاط النظام، بدأت تستعيد خضرتها بإزالة عدد كبير من الخيم والأغطية البلاستيكية.
ورغم مرور يومين فقط على تنحي مبارك، فإن نقاشات حادة بدأت تعلو بين المعتصمين بشأن مستقبل بقائهم في الميدان. وصدرت المطالبات بالإخلاء، وخصوصاً عن جماعة «الإخوان المسلمين»، التي حاولت إقناع المعتصمين بترك المكان للحدّ من المزيد من الخسائر في المتاجر المحيطة ولاستئناف حركة المواصلات والعمل في مجمع التحرير، الذي يضم كل الإدارات الرسمية التي تنجز معاملات المواطنين. لكن الدعوة لم يُستجَب لها كاملاً، بل قابلها الرافضون بشعار «اللي عايز يمشي يمشي»، مشيرين إلى أن فك اعتصامهم خيانة للتضحيات واستهتار بالإنجازات. وجاء أهالي شهداء الثورة في مقدمة رافضي فضّ الاعتصام، إذ تحلقوا حول منبر في وسط الميدان صنعوه من صور أبنائهم واللافتات التي كتب عليها «يا شهيد خدنا بتارك لما طردنا حسني مبارك».
وفيما بدأت المحال بفتح أبوابها تدريجاً، ازدهر «بيزنس» الفقراء في الميدان. انتشر الباعة المتجولون، كباراً وصغاراً، للاستفادة من الجموع الغفيرة. البطاطا المشوية والكشري والشاي والقهوة والأطعمة والسندويشات والأعلام المصرية، أصبح لها نقاط بيع معتمدة، بدءاً من الميدان والشوارع المتفرعة منه، وصولاً إلى جسر قصر النيل.
وعلى هامش الاحتفالات، اختارت مجموعات استكمال تنظيف البلد بعد رحيل مبارك، فأطلقت دعوات على الإنترنت وعبر الهواتف للمشاركة في «تجميل ميدان التحرير».
وكانت لافتة زيادة وتيرة الاعتصامات النقابية في القاهرة بعد تنحي مبارك. واعتصمت روابط الحقوقيين والمعلمين وطالبت بإسقاط الحزب السري في النقابة المجمدة منذ سنوات. واعتصم عمال المخابز والمطاحن ومصانع الصلب والحديد للمطالبة بتحسين شروط عملهم. كذلك اندلعت ثورة في وكالة أنباء الشرق الأوسط، حيث اعتصم نحو ألفي موظف احتجاجاً على تعاطيها السلبي مع الثورة.
لكن الاعتصام الذي أثار سخرية الكثيرين واستفزازهم هو التجمع الذي نفذه عدد من رجال الشرطة، أو ما يعرفون بـ«صف ضابط»، أمام مقر وزارة الداخلية في شارع منصور القريب من الميدان. هؤلاء الذين كانت مهمتهم إدارية في أقسام الشرطة ويشاركون في حملات الاعتقال والتعذيب والمراقبة، طالبوا بحقوقهم المهدورة، المتمثلة بتدني أجورهم، حيث لا يتعدى راتب الواحد منهم أربعمئة جنيه، وأطلقوا شعارات «يا حبيب يا جبان عملت إيه في الميدان» و«يا حبيب قول الحق سبت الشرطة ولا لأ»، في إشارة إلى وزير الداخلية المقال حبيب العادلي. إلا أن الجيش بادر إلى تفريقهم بالقوة عبر إطلاق النار في الهواء.