تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى معالجة الثُّغَر الجوهرية في أداء إدارتها، بعدما وجدت نفسها عاجزة عن التأثير في مجريات ثورتي مصر وتونس، لتكتفي بمشاهدة اثنين من حلفائها الوثيقين، محمد حسني مبارك وزين العابدين بن علي يتنحيان عن الحكم بضغط من شعبَيهما.

تنحيان تدرك واشنطن جيداً مدى خطورتهما على منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أن موزاين القوى باتت أكثر من أي وقت مضى تميل باتجاه خصومها السياسيين، لذلك فهي تسعى جاهدةً إلى وقف نزف حلفائها في المنطقة من خلال العمل على خطين متوازيين. الأول طمأنة ما بقي لها من حلفاء في المنطقة، الذين باتوا يشعرون اليوم بتعرضهم لخيانة غير مسبوقة، ولا سيّما أنّ الانتفاضتين المصرية والتونسية الجارفتين لم تتركا أمام واشنطن سوى خيار تأييد مطالب الشعوب على حساب الحلفاء.
أما الخيار الثاني، فيتلخّص في إقناع الإدارة الأميركية حلفاءها بضرورة اتخاذ إصلاحات فورية وجادة، بالتزامن مع البحث عن سبل للتأثير في مرحلتي ما بعد مبارك وبن علي.
ومن هذا المنطلق، أجرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، أمس، سلسلة اتصالات هاتفية إقليمية ودولية لبحث عملية انتقال السلطة في مصر. وكتب المتحدث باسم الخارجية فيليب كراولي على موقع «تويتر» إن كلينتون اتصلت بوزير خارجية الإمارات العربية المتحدة عبد الله بن زايد آل نهيان وبحثت معه أحداث «مصر وتأثيرها على الشرق الأوسط ومشاكل إقليمية أخرى»، كما اتصلت برئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو ووزير الخارجية الهندي س.م. كريشنا، الذي تطرقت معه إلى أحداث مصر.
كذلك أفاد كراولي عن اتصال كلينتون بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون، ووزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ. واتصالات كلينتون سبقتها في عطلة نهاية الأسبوع جولة لكبار المسؤولين الأميركيين إلى المنطقة، هدفها طمأنة حلفاء أميركا الشديدي التوتر.
وفي السياق، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن توجه رئيس الأركان الأميركي مايكل مولن، ونائب وزيرة الخارجية للشؤون السياسية روبرت بيرنز، إلى الأردن للتعبير عن الدعم للملك الأردني، عبد الله الثاني، فيما تولى مسؤولون آخرون الاتصال بقادة في جنوب آسيا وأوروبا والشرق الأوسط لرسم برنامج جماعي للخروج من المرحلة الانتقالية المليئة بالغموض والمخاطر.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله، إن زيارة بيرنز إلى الأردن كانت ترمي «إلى دعم برنامج الأردن الإصلاحي والمساعدة على إبقائه متقدماً على الاضطراب في المنطقة». ورأت «واشنطن بوست» أن أميركا تحث الملك عبد الله على اتخاذ خطوات ملموسة لمواجهة مشاكل الناس، وهو درس جرى تعلّمه من إطاحة الرئيس المصري الذي رُفضت تنازلاته للمحتجين لأنها كانت قليلة ومتأخرة.
كذلك تسعى واشنطن إلى التنسيق مع عشرات الدول الأخرى بشأن استراتيجية لم تتبلور بعد، لتسهيل سير مصر وتونس في مسار سلمي باتجاه الديموقراطية، ما دفعها إلى بدء مراجعة الدروس السابقة المكتسبة من الثورات الشعبية لتطبيقها في مصر.
وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن مستشار الأمن القومي توماس دونيلون، طلب من بعض كبار المسؤولين، بعضهم من خارج الطاقم المختص بالشرق الأوسط، «مراجعة الثورات الشعبية الحديثة التي أطاحت حكومات، لدراسة احتمال تطبيقها في مصر».
وتتركّز المراجعة على ثورات ضد دكتاتوريات كانت تحظى بدعم الولايات المتحدة، منها الثورة ضد الرئيس الفيليبيني فيرديناند ماركوس عام 1986، وانتقال تشيلي إلى الديموقراطية عام 1990 واحتجاجات إندونيسيا عام 1998، إضافةً إلى الدروس المكتسبة من صربيا وبولندا.
ووفقاً للصحيفة يبدو أن الحالة الإندونيسية، تحظى بانتباه أكبر بالنسبة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما، بعدما قضى جزءاً من طفولته في الدولة الإسلامية الأكبر. وكشفت الصحيفة عن أن مسؤولين في إدارة أوباما استعانوا منذ اندلاع الثورة المصرية بعدد من الخبراء في الثورة الإندونيسية للرد، على انتقادات المحافظين المتوجسين من ظهور جمهورية إسلامية على الطراز الإيراني في قلب الوطن العربي والشرق الأوسط.
(الأخبار، أ ف ب، يو بي آي)