القاهرة ــ حتى تلك اللحظة، وبرغم وصولي منذ ساعات، لم أكن بعد قد وصلت حقاً الى القاهرة. والقاهرة التي أعرفها، كانت هنا، في جولة الليلة الأولى: هواء التلوّث الثقيل، بشر لا يحصى عديدهم. الضجيج. خليط من الكلام بصوت عال ودخان العوادم وأبواق السيارات حتى في الواحدة ليلاً. لكنها فجأة ما إن اقتربنا من زحمة ميدان التحرير حتى ظهرت: قاهرة أخرى. قاهرة بحق.

عائلات بكاملها تمشي في الطرقات وتحت الجسور وبين السيارات. في الجو كهرباء النشوة. نشوة العشاق بالملايين، والحبيبة واحدة. حب كثير يبثه الناس لك، كأن الثورة المنتصرة، تخرج أحسن ما فيهم. وأحسن ما فيهم يصيبهم بمزيد من الحب بعضهم لبعض، لمستقبلهم معاً. عناق بين أغراب. وجوه مستبشرة، ضاحكة، غير مصدّقة. السيارات متجهة الى ميدان التحرير في زحمة سير خرافية، والأعلام المصرية تخرج من نوافذها. العيون تبحث عن العيون لتتواطأ معها وتضحك لها.
شعب محروم من دور في بلاده، وجد نفسه فجأة أمامها: جليّة، بهيّة، تفتح ذراعيها على آخرهما له، بعدما زالت طبقة الفاسدين التي كانت بينها وبينهم. الكل يريد دوراً في مصر ما بعد انتصار الثورة. الكل متعطش ليثبت لبلاده عمق إخلاصه في حبّها. الكل يريد أن «يكفّر» عن أي ألم قد يكون سبّبه: «معليش يا بلد، الحرية بتتولد»، قال الشعار المكتوب على حائط أحد الجسور الضخمة.
ليلة الأحد أيضاً. كان باستطاعتك ان تكلف أي مصري في أي مهمة: من كنس الشوارع التي انكبّ عليها ثوار ميدان التحرير وبقية الأحياء، الى تنظيم السير مكان شرطة المرور التي أخلت أمكنتها خجلاً وخوفاً، إلى إرشاد الناس لأفضل الطرق للخروج من الزحام. كل شيء كان ممكناً. فالمستحيل حصل. يحكي البعض بمحبة عن شباب المناطق الراقية الذين نزلوا للحراسة «بالروب دي شامبر والنظارات العاكسة للضوء»، كما يقول أيمن، سائق التاكسي. يشرح لك أنت الغريب: «ناس عندها خدامين يا هانم، ما بتشتغلش أصلاً في بيوتها نزلت تكنّس الشوارع». وماذا عن الشرطة، ذراع النظام الأمني الفاسد لوزير الداخلية السابق حبيب العادلي؟ يقول: «والله كان في ضابط عندنا بيقللي مش لاقي حد يقللي صباح الخير. كأني يهودي. مش قادرين ينزلوا».
في سيارة الأصدقاء التي أقلّتنا في جولة تعارف مع «مصر الجديدة» بعيد منتصف الليل، أي بعد بدء منع التجول الذي تساهل الجيش نحو ساعتين في تطبيقه، نحاول الاحتيال على الطرق التي سدّها الجنود لسحب الدبابات من الشوارع فوق ناقلات اصطفت قريباً من شارع الهرم. شبان اللجان الشعبية كنا نصادفهم في أي زقاق، موجهين المواطنين الى الطرق البديلة، أو طالبين إثبات الشخصية. وجوههم مرحة، لكن حازمة. إنهم مسؤولون عن بلادهم للمرة الأولى، وهم مصرّون على إثبات أن «مصر مش محتاجة لحد».
بعد استدارات لا تنتهي، نصل الى ميدان التحرير، أو بالأحرى محيطه، كان لا يزال ممنوعاً على السيارات الاقتراب كثيراً من الميدان. لم يبق من الملايين التي تحولت، الى كائن خرافي يزأر بهمهمة عملاقة واحدة موحدة لدى تنحّي الديكتاتور، إلا بضعة آلاف. كثيرون لا يريدون مغادرة ميدانهم. لم يكن الميدان يريد بعد الدخول إلى بيت الطاعة. كأن الطاقة التي تجمعت فيه منذ بدء الثورة لم تتبدد، ولا تزال تجذب الكثيرين.
يتندّرون كيف أنهم عملوا الثورة بثمانية عشر يوماً، فيما احتاج التونسيون الى شهر. تقول النكتة إن مصر حصلت بذلك على كأس الأمم الأفريقية. ليست النكتة الوحيدة هنا. فجرائد «الحائط» تزاحمت الأوراق عليها: بعضها نكات وبعضها إعلانات وبعضها هتافات. تشهد هذه اللافتات على «الحرب النفسية» النادرة الظرف التي شنها المصريون على نظام مبارك. «خلع الرئيس أسهل من خلع الضرس» تقول اللافتة. الإعلام الحكومي لم ينج من هذه الحرب. تقول النكتة إن صحيفة الأهرام الحكومية عنونت غداة التنحّي صفحتها الأولى بالمانشيت الآتي «لم تكن الثورة لتنجح لولا توجيهات الرئيس». ينجو المصريون من درامية المواقف بالنكتة. هي طريقة أخرى، طريقتهم، بالانتقام.
لكن تصفية الحسابات ليست أولوية للناس هنا. هم يفهمون أن لديهم الكثير ليقوموا به الآن، وحدهم، دون «الأب القائد». كما أن طبعهم الدمث ينفر من العنف، ويعزز الفرح بالنصر ذلك الميل. لا يريدون تعكير بهجتهم. البلد بحاجة إلى كل أبنائه. «إعادة تأهيل الشرطة» مطلوب: «دول مليون مصري نرميهم؟»، يتساءل ناصر، مضيفاً: «لكن لازم يتعلموا: لما تحترم المواطن حتحترم أنت كمان. فرض الهيبة بالقانون والاحتكام له مش عيب، مش ضعف». أما رمضان فيقترح «أن نغيّر التسمية (الشرطة)». ويتابع «لما كان المواطن يقابل ضابط شرطة، كان ما يبصولوش. ما يستجريش. دلوقت بيقابلو عادي. كانوا مفترين صحيح، بس كان في أمن. دلوقت ممكن اتنين يخلصوا على بعض في الشارع ولا حدش يقللهم أي حاجة. لذلك رأيي يتعمل للشرطة مسمى تاني خالص».
الخوف من الانتقام أيضاً يهز الوسط الإعلامي. إعلاميو الصحف الحكومية يقومون بانتفاضة متأخرة. ستقبل توبتهم، أكاد أكون متأكدة. المصريون «حنينين». على التلفزيون الحكومي تتعثر المذيعة بكلامها «الجديد». لا تزال تتأنى باختيار الألفاظ في مقابلة مع مسؤول وكأنها لا تصدق الحرية الجديدة أو لا تعرف أين تنتهي حدودها.
معدة مصر لم تهضم بعد ما حصل. معدة بدا أنها اعتادت على سد جوعها بفتات ما بقي من موائد «كرم» الطبقة السياسية المنهارة، وإذا بوليمة ضخمة تنزل عليها فجأة. مصر بحاجة لبعض الوقت.
حتى مبارك، يبحث المصريون عن طريقة ليغفروا له ما فعله بهم، «والله يا فندم كأنك عايشة معانا»، يقول الرجل الذي سألته تعليقاً على محاولته تبرئة الرئيس السابق وعن مسؤولية «سوزان وولادها». يقول لك «الراجل مريض، الحاشية حواليه هية اللي فاسدة. ده بياخد إبر في المخ علشان يقدر يصلب طولو». أما أمجد فيقول: «الراجل تنحّى بالسرعة دي لأن إسرائيل ومن وراها أمريكا كانت على الحدود عايزة تخشّ. الراجل قال: الوطن أولاً. وتنحّى». وعندما يرى عيناي مفتوحتين دهشة، يضيف: «أمّال؟».
«معليش يا باشا، لو سمحت تطلع الرصيف»، يقول الشاب العشريني الذي كان يعيد طلاء حرف الرصيف بالأبيض والأسود للزملاء معي، مرفقاً طلبه الودود، لكن الحازم، بقبلة أرسلها لهم في الهواء. الكثيرون كانوا لا يزالون يكنسون مساء أول من أمس. والعيون على شفا البكاء فرحاً، هكذا لمجرد كلمة حلوة قد يرميها أحدهم.
الغصة تبقى لأهل الشهداء، ولزملائهم الذين يستذكرون مصرعهم هنا على قاب قوسين أو أدنى من الحرية التي صنعوها بدمائهم. عزاؤهم بإعادة تسمية الشوارع بأسمائهم، وبوعد حفظ الثورة الوليدة التي لا تزال تبحث عن قائد جدير بقيادة مصر الجديدة. مصر التي ليست فقط في خاطر أبنائها، بل في خاطر كل العرب.