القاهرة| «أمجد» شاب لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، ينتمي إلى جماعة «الإخوان المسلمين». كان أحد الذين نزلوا إلى الشارع وشاركوا في تظاهرات 25 يناير، رغم قرار الجماعة بعدم المشاركة في الحدث. انضم أمجد إلى «الإخوان» من باب التدين، لأنه يرى أنهم يدعون إلى الله بالحسنى ولا يحبذون العنف بخلاف الجماعات الإسلامية، التي دخلت في دوامة عنف متبادل مع الدولة في التسعينيات.

هو الآن يعيش أزمة، ممزق بين ولائه للجماعة وحبه للثورة التي شارك فيها وهتف من أجل نجاحها. يحاول أن يستجمع شتات عقله بعدما أخبره أصدقاؤه في التنظيم أن الجماعة قررت عدم المشاركة في الثورة، التي دعا إليها شباب الفايسبوك.
في البداية، لم يقتنع بما سمعه، حتى قرأ البيان الصادر عن مكتب الإرشاد، الذي أكدت فيه الجماعة عدم المشاركة في تظاهرات الخامس والعشرين من يناير.
ليس هذا فقط، بل قدمت وصفة للنظام، هي عبارة عن عشرة مطالب لتهدئة الشارع المصري بعد مهزلة الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ماذا يفعل؟ هو الآن يقارن بين موقف الجماعة من الدعوة وانخراط كل قادتها بالنزول إلى أرض ميدان التحرير، بعد جمعة الغضب التي مثّلت حدثاً فارقاً في تاريخ مصر. يردد في سره: هل هذه
انتهازية؟ كيف لتيار سياسي أن يرفض المشاركة في حدث، ثم يكون أول من يبارك هذا الحدث بعدما اطمأن إلى نجاحه؟ السؤال الذي طرحه على قياداته بعد الثورة: ما هو مستقبل الجماعة التي ظل أعضاؤها يحملون على كاهلهم لقب «محظورة»، وهو الاسم الشائع للإخوان في إعلام مبارك؟
في التاسع عشر من كانون الثاني خرج عصام العريان المتحدث الرسمي باسم الإخوان معلناً عزم الجماعة على عدم المشاركة في التظاهرات.
وكان السبب في عدم المشاركة مضحكاً بعض الشيء، فالجماعة التي هددت باللجوء إلى «تدويل» قضية اضطهاد وزارة الداخلية المصرية لأعضائها، ترفض المشاركة لأن «التظاهرة تصادف يوماً وطنياً يحتفل فيه الجميع بجهاز الشرطة، ويجب أن نحتفل جميعاً بتلك المناسبة»، حسب بيان الجماعة.
لم يغير الإخوان من خطابهم الإعلامي عقب يوم 25 يناير، كل ما قاموا به هو نفي اتهامهم من جانب وزارة الداخلية بـ«إثارة القلاقل»، وهو الاتهام الذي رفضه بيان مكتب الإرشاد، مؤكداً أن الاتهام «قمة الفشل السياسي» ومحاولة مفضوحة من جانب النظام لـ«تأليب أميركا علينا».
وقد أظهرت مشاركة «الإخوان» في الحوار مع عمر سليمان وجود انقسام في أوساطهم، بين الشباب والقيادات.
ويرى خبراء أنه نظراً لافتقار الشباب الذين فجروا الانتفاضة الشعبية لخبرات كثيرة في التنظيم والقيادة وطرح التكتيكات المختلفة التي تعمل على تصعيد الانتفاضة والحفاظ على زخمها، فقد بدأت الجماعة بزيادة دورها تدريجاً. ولم تسع إلى الدخول في مواجهة مع الشباب في ما يتعلق بشعارات الانتفاضة وبرنامجها. وكانت قد انتشرت مخاوف من أن يؤدي تعاظم دور الجماعة في الثورة الشعبية إلى أن تسعى قيادة الجماعة إلى الاكتفاء بتحقيق مكاسب تنظيمية، على حساب الثورة في إرغام النظام المصري في حال رحيل مبارك (أو بقائه)، على الاعتراف بشرعيتها ومنحها حصة في السلطة، يتناسب مع حجمها في الشارع، وهو دور لطالما سعت إليه منذ نشأتها في ثلاثينيات القرن الماضي.
غير أن التطور المتسارع للحدث لمصلحة الثورة الشعبية، ومحاصرة النظام والإحساس المتزايد بقرب سقوطه، دفع الجماعة إلى التشدد مرة أخرى والنزول بقوة إلى الشارع، وتبني شعاراته وظهور معظم قياداتها على شاشات الفضائيات العربية والأجنبية، وتقديم صورة مغايرة لمواقف الجماعة من العديد من القضايا، وفي مقدمتها اتفاقية كامب ديفيد، حيث أعلن عصام العريان أن «المعني بالاتفاقية من حيث بقاؤها أو إلغاؤها هو المجلس النيابي المصري، لا الجماعة»، متجنباً العودة إلى تصريحات سابقة كانت تطالب
بإلغائها.
وقال «إن الاتفاقية ليست متعلقة فقط بمصر، بل إنها مرتبطة بالتزامات إسرائيل الأخرى تجاه تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي، وحل القضية الفلسطينية وإنهاء الحصار على غزة».
تغير الخطاب قبل ساعات من جمعة الغضب في الثامن والعشرين من كانون الثاني، وخرج أحدهم موضحاً «عندما قلنا إننا لا نمنع أحداً من شبابنا في المشاركة، فالصورة كانت واضحة، وشارك شباب ورجال الإخوان ونوابهم السابقون بصورة مشرِّفة في هبَّة سلمية استطاعت أن توصل رسالتها».
لكن ما هي رسالة «الإخوان»، وهل كانت تتفق مع رسالة ثوار 25 كانون الثاني؟
يقول الدكتور محمد مرسي، أحد أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين: «أعلنا منذ البداية أن هناك عدة مطالب، على رأسها إقامة حياة ديموقراطية تمثل فيها كل التيارات السياسية»، لكن المطلب الأساسي للجماعة كان إنشاء حزب سياسي، وظلّت العقبة في طريق تحقيق هذا المطلب هي لجنة شؤون
الأحزاب.
بعد ساعات قليلة من قرار مبارك التنحي، أعلن «الإخوان» أنهم يعتزمون تأسيس حزب سياسي، ولم يقل أحد من أعضاء الجماعة هل سيكون الحزب مع مدنية الدولة التي أكدها الجيش في كل بياناته الصادرة، أم سيكون حزباً
دينياً؟
«الدولة الإسلامية مدنية بالضرورة، الديموقراطية فيها تأتي طبقاً لإرادة الشعب وبرنامجنا لن يصادر حق أحد»، هكذا يجيب الدكتور مرسي عن السؤال الذي يمثّل لغزاً للكثيرين، وخصوصاً بعد تسريب برنامج الحزب الذي كانت تنوي الجماعة إعلانه منذ فترة، ولاقى هجوماً من السياسيين وفئات أخرى في المجتمع، لأنه يناصب المرأة والأقباط العداء.
هل ينوي «الإخوان» تغيير خطابهم أو تعديل استراتيجيتهم في المرحلة المقبلة؟ تواجه الجماعة «أزمة حقيقية، هي الخلط ما بين الدعوي والسياسي، فالإخوان يقدمون أنفسهم باعتبارهم هيئة إسلامية تعمل بالدعوة، وهي دعوة دينية بالأساس لا تتفق مع شروط العمل السياسي واستحقاقاته»، كما يقول الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية الدكتور عمرو
الشوبكي.
ويتابع: «يجب أن تفصل الجماعة ما بين الدعوي والسياسي، وتعدل من شروط الإيمان بالمواطنة كما تراها».
اعتمدت الجماعة منذ فترة طريقة «التقية» السياسية في التعامل مع نظام مبارك، وتحديداً أثناء خوض الانتخابات، سواء كانت برلمانية أو نقابية، تفادياً للملاحقات الامنية. لكن «الوضع في طريقه للتغيّر الآن»، بحسب الشوبكي، الذي يشير إلى أن «الجماعة مطالبة الآن بالانطلاق من الموافقة على شرعية النظام المقبل، وإعلان حزب سياسي يؤمن بالديموقراطية والمواطنة بدايةً لطريق الحياة
المدنية».
«نحن نؤمن بأن الأمة مصدر السلطات، والذين يقولون إننا نريد دولة دينية هم أفراد من النخبة لا تسمعنا وتصادر آراءنا».
هذه رؤية زعيم كتلة «الإخوان» في البرلمان السابق «الدكتور سعد الكتاتني» للأصوات التي تتهم الإخوان بالسعي إلى أسلمة الدولة. وعند مواجهته بمخاوف البعض من نظرة الجماعة للأقباط ورأيهم في تولي المرأة الحكم، قال مستغرباً: «الشعب المصري معظمه مع التوجه الإسلامي، ورأينا أن هذا اختيار فقهي استشرنا فيه بعض علماء الأزهر واتفقوا معنا في
الرأي»، مضيفاً: «نحن لا نعترض على أحد، سنرشح مسلماً للرئاسة وليتنافس معه قبطي أو امرأة، الاختيار متروك
للناس».
كلام الكتاتني ربما كان يتناقض مع ما أعلنته الجماعة يوم السبت الماضي، عندما قالت إنها لن ترشح أحداً من أعضائها لمنصب الرئاسة، ولن تسعى إلى الحصول على غالبية في البرلمان في الانتخابات، التي ستجري تحت إشراف المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
لكن المؤكد أن الجماعة تعكف الآن على إعداد تصور لمستقبلها السياسي بعد الثورة. ويعقد أعضاء مكتب الإرشاد اجتماعات ونقاشات موسعة لتقديمها لقيادة الجماعة (المرشد) في وقت قريب.
لكن مستقبل التنظيم، كما يقول المتحدث الرسمي باسم الجماعة عصام العريان، في أزمة، وهي أن «التغيير الحادث في مصر الآن يحصر التنظيم بين بديلين هما: إما أن تتحول الجماعة كلياً إلى حزب سياسي، وهذا ليس أوانه الآن، أو وجود تنظيمين، أحدهما حزب سياسي والآخر جماعة دعوية، مستقل أحدهما عن الآخر وتربطهما الاستراتيجية العامة، مثل النموذجين الأردني
والمغربي».
«الإخوان» في مفترق طرق الآن، اعترفت الدولة بشرعيتهم ودعتهم إلى الحوار، لكن مخاوف البعض من إصرار الجماعة على المضي قدماً فى طريق أسلمة الدولة المصرية، لا تزال قائمة. فهل تبدد الجماعة هذه المخاوف وتسير في ركب الثورة المطالبة بدولة مدنية؟ الإجابة مرهونة بسلوك الإخوان بعد انتقال السلطة.