قد لا يكون النفط أو اللؤلؤ، أو غيرهما من الموارد الطبيعية، فقط لعنات الشعوب. الموقع الجغرافي، التاريخ، والديموغرافيا، لعنات لا تنتهي، ولا سيما بالنسبة إلى الدول الصغيرة، التي تصبح أرضها مساحة للاقتتال على النفوذ بين العمالقة.

وعند البحث في الأزمة السياسية البحرينية وامتداداتها الإقليمية، تحضر هذه العناصر الثلاثة. الأزمة التي تمتد لعقود، ولها أبعاد طائفية واقتصادية واجتماعية، باختصار، مردّها الى تهميش فئة تمثّل غالبية السكان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وقد عبّرت عن نفسها في مختلف المراحل بوسائل متعدّدة وصلت الى حدّ استخدام العنف والإعداد للانقلاب على هذا الحكم.

بلغت الذروة في التسعينيات، قبل أن تدخل في مرحلة «المصالحة» مع الإصلاحات السياسية التي أتى بها الملك الحالي لحلّ الأزمة. انتشت هذه الغالبية بالإصلاحات، رغم أنها لم تحقق لها المساواة، فقد بات بإمكانها المشاركة في الحياة السياسية، بعدما كانت جمعيات المعارضة محظورة عن العمل والترشح للانتخابات ودخول البرلمان والحكومة، وأُفرج بفضلها عن المعتقلين السياسيين، وسُمح للمعارضين بالعودة من الخارج، وباتت هناك مساحة لحرية التعبير.
وأُسست بعدها العديد من الجمعيات الشيعية الناشطة بقوة على الساحة السياسية. وبموجب دستور 2002، أنشئ مجلسان متساويا الصلاحيات والعدد: النواب المنتخب، والشورى المعيَّن. وفي حكومة 2006، مُثل الشيعة بـ4 مناصب وزارية: الشؤون الخارجية والعمل والنفط والغاز؛ ونيابة مجلس الوزراء، وكانت المرة الأولى التي يشغل فيها شيعي هذا المنصب.
الإصلاحات كانت قفزة تاريخية في سياق الصراع من أجل انتزاع الحقوق بالنسبة إلى هذه الفئة. لكن ما إن هدأت فورة النشوة حتى تبيّن الواقع، ذلك أن المساواة لم تتحقق بعد، وعلى جميع المستويات.
في 2008، ارتفعت وتيرة التوتر بين الشيعة والسلطة، وزاد من حدّتها ملف التجنيس، الذي رأى فيه الشيعة محاولة لتغيير التركيبة الديموغرافية لمصلحة السنّة. هذا الموقع وهذه التركيبة الجغرافية، سمحا للنافذين الإقليميين بالتدخل. إيران اللاعب القوي في هذا الملعب، رأت أن هذا التدخل حق كفله لها التاريخ والدين والجغرافيا.
ومثّلت الثورة الإسلامية محطّة مهمة لتدعيم هذا النفوذ. فهي أعلنت بعدها تصدير الثورة الى الدول المجاورة. وبين الثورة والإصلاحات، شهدت البحرين احتجاجات عنيفة، وجهت الحكومة خلالها أصابع الاتهام إلى إيران بالعبث بأمنها.
لكن بعد الإصلاحات تراجعت هذه الاتهامات. وقبل أشهر، أعلنت المملكة القبض على خليّة شيعية من 25 شخصاً اتهمتها بتدبير محاولة انقلابية ثم بالعمل من أجل تعطيل الدستور، ولمّحت الى وجود عناصر خارجية قبل أن تتراجع.
من جهة أخرى، تقف السعودية مارداً أمام المملكة من الناحية الغربية، وتعدُّ البحرين حصناً لها، وسدّاً في مواجهة المدّ الإيراني، والثقل الشيعي في المناطق الشرقية المحاذية للبحرين. لذلك، فإن البحرين بالنسبة إليها خط أحمر.
ويربط بين السعودية والبحرين جسر الملك فهد السريع بطول 28 كيلومتراً، الذي افتتح في 1986؛ «جسر الصداقة» الذي أريد منه تعزيز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين المملكتين.
أما الولايات المتحدة، فتتعاطى مع البحرين من منظور المعادلة بين إيران والسعودية. ووقّعت معها في 1991 اتفاقية دفاعية سمحت لها التحرّك بسهولة داخل المرافق البحرينية. وتستضيف البحرين الأسطول الأميركي الخامس، بما هو أهم قوة أجنبية في الخليج والبحر الأحمر والبحر العربي وشرق أفريقيا.