بدأت الثورة مرحلتها الرسمية منذ الساعات الأولى من نهار أمس. الموسيقى العسكرية عزفت في قلب ميدان التحرير مارشات النصر، ووزّع الجنود أعلام مصر في كرنفال شعبي، اكثر منه سياسياً.

الشعب يحتفل إذن، بينما الثوار يعيشون أيام القلق على الثورة، والجيش يعلن أن ٢٥ يناير لم يعد عيداً يخص المتظاهرين وحدهم، بل بات عيداً للدولة التي يديرها منذ أسبوع كامل.
المرحلة الرسمية مقلقة لمن تعوّدوا حال الخصام التام مع الدولة، لا بد من أن هناك مؤامرة، هذا ما يسود الجلسات العامة والخاصة والتحركات العلنية ما بين مقار الاجتماعات السياسية وقلب القاهرة الذي استضاف أمس أكثر من ٣ ملايين ارتدوا ملابس ملوّنة وحملوا الأعلام وردّدوا أغنيات الفرح في كرنفال أخفي تحته التوتر السياسي بين قوى شاركت في الثورة وأخرى مارست هواية الركوب المتأخر.
دوخة الجماهير الكبيرة أصابت قوى الثورة بالدوار، ودفعتهم إلى البحث عن موقع في تركيبة الحياة السياسية. «الإخوان المسلمون» كانوا مركز التوتر، حيث عاد هواهم القديم بالظهور المنفرد، واحتلّوا خشبة المسرح الرئيسي بقائمة استعادوها من تحالفاتهم القديمة.
«الإخوان» في ثوب الاحتفال لا يشبهون «إخوان الثورة»، الذين عرفوا التفاعل الإيجابي مع قوى أخرى لديها مهارات كبرى في صناعة الجسم الكبير للثورة. «إخوان» ما بعد ٢٥ يناير مختلفون، يستوعبون عملياً العمل المشترك، ويتقاسمون مع أطياف المجتمع وشرائح طبقته الوسطى، موزاييك الثورة.
لكن «إخوان» الاحتفال الرسمي، عادوا إلى طريقة الإقصاء التقليدية، وفتحوا قوس المخاوف من أن يكون هناك تحالف غير معلن بين الإخوان والجيش، تبدو إشاراته في إضافة (صبحي صالح المحامي) أحد صقور الجماعة إلى لجنة تعديل الدستور، إضافة الى مساحة واسعة اتخذتها عناصر الجماعة في تنظيم الاحتفال الرسمي.
على صعيد آخر، بدأت الخلافات بين الإخوان وباقي مكوّنات الثورة في اجتماعات أخرى مغلقة داخل «ائتلاف شباب الثورة»، أوّل التكتلات السياسية المعلنة من ميدان التحرير قبل خروج مبارك من قصر الرئاسة. الائتلاف تمسّك بالحسّ اليساري المؤيد لمطالب العمال الاجتماعية، بينما رأت الجماعة توقيف المطالب الاجتماعية الى حين مرور الفترة الانتقالية.
الاختلاف يمكن أن يؤثر على إيقاع التحرّكات الجماهيرية في الأيام المقبلة، كما يرى بعض نشطاء كان لهم دور مؤثر في الثورة، وخصوصاً أن الإخوان أسّسوا كياناً سمّوه «مجلس أمناء الثورة» ضموا إليه خليطاً يرتاحون للتنسيق معه، ويبدو في العلن أنه «واجهة الثورة» أو رأسها.
البحث عن رأس يبدو معركة خاسرة بعد ثورة نجحت بسبب غياب رأسها الواحد، وستواصل النجاح إذا استمرت في حرب مواقع يتمدّد فيها المجتمع المدني ليكوّن قوّة واقعية في مواجهة السلطة.
الانشغال بالرأس معركة فات وقتها، وتنتمي إلى مزاج ما قبل سقوط مبارك، حيث كان النظام المخلوع بارعاً في نظرية «فرّق تسد» ووضع الحركة السياسية في وضع الإقصاء والصراع على استحواذ المواقع كلها.
هل تُسرق الثورة؟ هل تنتهي الثورة قبل أن تحقق أهدافها؟ أسئلة تتحوّل إلى هواجس مرَضيّة عند نخب سياسية تخاف على الثورة وتتعامل مع مشهد ما بعد الثورة بمشاعر مصابة باكتئاب ما بعد النصر.
من ناحية أخرى، كان الردّ حاسماً على حملة العودة إلى الظهور العلني التي نفّذتها رموز الفساد في النظام القديم، مثل أحمد عز وحبيب العادلي. فبعد ساعات من تصريح وزير الداخلية السابق بأنه لا يخضع للتحقيق وأنه يقيم في بيته، أصدر النائب العام قراراً بالحبس ١٥ يوماً على ذمة التحقيق لكل من أحمد عز وأحمد المغربي وزهير جرانة وزير السياحة، إضافة إلى العادلي الذي أطلق النار على سيارة الترحيلات أثناء اقتياده من نيابة أمن الدولة إلى سجن مزرعة طرّة.
حتى الآن لا تزال الأطراف التي أطلقت النار مجهولة، وإن كانت تفسيرات ترى أنها محاولة تهريب للوزير الذي سيواجه غالباً تهمة الخيانة العظمى، وتفسيرات أخرى ترى أنها محاولة قتل للرجل الذي يملك أسراراً وخيوطاً تنتهي عند مبارك نفسه وبعض كبار رجال نظامه المخلوع.
وقرّر النائب العام حبس ٣ من مساعدي العادلي ١٥ يوماً على ذمّة التحقيق في قضية إطلاق النار على المتظاهرين. والثلاثة يمثلون مجلس الحرب الذي قاد قوات الشرطة يومي ٢٥ و٢٨ يناير، إضافة إلى تورطهم في أحداث واقعة الجمل المعروفة حيث هجم «البلطجية» على المتظاهرين.
هكذا تبدو المعركة على رموز نظام مبارك بطيئة، لكنها لا تخلو من فاعلية، حتى إن الأخبار الأخيرة تقول إن المجلس العسكري أمر بإلغاء كل رحلات الطائرات الخاصة، ووزّعت سلطات الطيران المدني منشوراً على جميع شركات الطيران المرخص لها بمنع سفر أي مصري على متن رحلة خاصة إلا بعد الرجوع إلى سلطة الطيران المدني.
أوامر المجلس العسكري تمنع ظاهرة هروب رموز الفساد والاستبداد في العهد البائد، وهذه خطوة مهمة بالنسبة إلى جمهور يتابع دراما الثورة بإثارة منقطعة النظير.