القاهرة | لم تقدم القوى الاحتجاجية المصرية ـــــ حتى الآن ـــــ رؤى متماسكة تسهم في إزالة الغبار السياسي الذي يغطّي سماء مصر. فمن الطبيعي أن ينتشر الغبار في أعقاب الثورة، لكن من غير الطبيعي أن يقتصر دور هذه القوى على ردّ الفعل فقط على بيانات المجلس العسكري وقراراته.

«الثورة لم تنتهِ، والآتي أصعب. فرحيل حسني مبارك عن سدة الحكم لا يعني أننا نسير بخطى متسارعة نحو حياة ديموقراطية، وأن مصر الجديدة التي نريدها باتت على مرمى حجر منّا». هكذا يجيب تقريباً جميع ناشطي القوى الاحتجاجية عن أسئلة المستقبل. فـ«الإجابة عن سؤال العدالة الاجتماعية وإزالة الاحتقان الطبقي بين فئات المجتمع تحتاج إلى جهد ووقت كبيرين»، هذا ما يشير إليه الدكتور عبد الحليم قنديل، أحد قادة حركة «كفاية»، موضحاً أنّ «بقاء الحكومة الحالية التي تمثّل نظام مبارك، هو أحد التحديات الواجب مواجهتها والعمل على إقالتها».
السؤال عن تصورات المستقبل لدى القوى الاحتجاجية في المجتمع ليس سهلاً، نظراً إلى حال التمايز الفكري بينها، لذلك تختلف الإجابات من فئة إلى أخرى؛ فجماعة الإخوان المسلمين، مثلاً، أعلنت أنها تعتزم تأسيس حزب سياسي في أقرب فرصة، لكنها تحفظت على العمل مع القوى الأخرى من أجل تحقيق باقي مطالب الثورة، وهو ما ظهر يوم «جمعة الانتصار والاستمرار»، الذي انفردت الجماعة بتنظيمه.
أما حركة «كفاية»، فالبحث عن ممثّليها أضحى عملاً شاقاً، نظراً إلى انخراط معظمهم في تنظيمات أخرى مثل «الجمعية الوطنية للتغيير» التي يقودها محمد البرادعي، و«ائتلاف شباب ثورة الغضب». أما قوى اليسار غير الرسمي، والبعيد عن قبضة رفعت السعيد وحزبه «التجمع»، فرؤيتها تتمحور حول العدالة الاجتماعية بمفهومها الواسع.

عودة «كفاية»

اختفت الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) عن المشهد السياسي المصري طوال العامين الماضيين. فقد تفرّق أعضاؤها نظراً إلى الخلافات التي دبّت بينهم على أمور رأى الكثيرون أنها «شخصية». لكن اسم الحركة عاد إلى واجهة الأحداث مع بداية الثورة. في صيف عام 2004، تجمّع عدد من المثقفين والأدباء وأساتذة الجامعات الرافضين لمبدأ التمديد لمبارك لفترة رئاسية جديدة أو توريث الحكم لنجله جمال. وعلى الفور، حرّكت الحركة الوليدة المياة الراكدة في المجتمع، وانضمت إليها فئات كثيرة ظلت عازفة عن الظهور في الاحتجاجات السياسية.
واجهت الحركة عدة اتهامات في بداية تأسيسها، أبرزها أنها حركة «نخبوية» من أساتذة الجامعة والمثقفين. لكنّ الاتهام الذي أحدث دويّاً كبيراً كان اتهام مبارك لها بأنها «تستغل الظروف الدولية للضغط على النظام والاستقواء بالخارج بمصادر تمويلها المشكوك فيها».
«كفاية هي الأب الشرعي لمعظم حركات الاحتجاج التي نادت بإسقاط مبارك ووقفت ضد مخطط التوريث»، على حدّ تعبير قنديل، الذي يكشف أنّ الحركة «كانت أول من بدأ التظاهر السلمي الصامت في أماكن مختلفة، حتى امتدت دعوتنا إلى المحافظات». أهم الانتقادات التي واجهت «كفاية» أنها لا تمتلك برنامجاً سياسياً واضحاً، وأنها حركة عفوية، وليس لديها مرشح كفء ينافس على منصب رئيس الجمهورية. وعلى هذا الانتقاد يردّ قنديل: «هذا كلام قديم، وكفاية لم تقل يوماً إن لديها مرشحاً للرئاسة»، مشيراً إلى أن أهم ما حقّقته حركته هو «تشجيع الناس على التظاهر والمطالبة بحقوقهم».
الأمين العام للحركة جورج إسحق يستبعد أن تتحول الحركة إلى حزب سياسي، مؤكداً أنها تتلاقى مع مطالب الثورة في الوصول إلى دولة ديموقراطية من خلال تأسيس دولة نظامها برلماني، يتمتع المواطن فيها بكل حقوقه.

الإخوان والتكتُّم

تختلف جماعة الإخوان المسلمين عن «كفاية» في أنها تعرف جيداً ما تريده، وتسعى بشتى الطرق إلى تحقيق هذه الإرادة، لكنها تتكتّم على التفاصيل. ولدى سؤال أكثر من قيادي في الجماعة عن تصورات المستقبل، بقيت الإجابة واحدة: «نحن لا نستبق الأحداث. نرى أولاً ما ستسفر عنه الفترة الانتقالية، وبعدها نحدِّد». ردّ يأتي على لسان المتحدث باسم الجماعة عصام العريان وأحد القادة في مكتب الإرشاد، محمد مرسي. إلا أنّ الواقع يؤكد أنّ «الإخوان» استبقوا الأحداث، وبدأوا التجهيز للمستقبل من خلال الانخراط في معظم الحركات الشبابية التي ظهرت أثناء «ثورة 25 يناير»، والسيطرة على نشاطها، وهو ما يمثل قوة دفع كبيرة للجماعة في الفترة الانتقالية، مع تشديد تلامذة حسن البنا على ضرورة إقامة حزب سياسي بعدما حُرموا من هذا الحق منذ تأسيس الجماعة عام 1928.
تصوّرات الجماعة للمستقبل تحكمها بالضرورة براغماتيّتها المعروفة. حتى مشاركة القوى الاحتجاجية الأخرى في مطالب الثورة مرهونة عند الجماعة بمدى استفادة الإخوان منها، لذلك تجد «الإخوان» يدافعون بقوة عن مطلب الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ويضعونه في مقدمة مطالبهم، مستبقين الإصلاح الدستوري. والسبب في ذلك أن عدداً من قادة «الإخوان»، مثل خيرت الشاطر وحسن مالك وآخرين، لا يزالون في السجون. كذلك فإن «الإخوان» لم يطرحوا حتى هذه اللحظة أي تصوّر للمستقبل، ورؤيتهم محصورة في إنشاء حزب، وتأكيد عدم الدفع بمرشح للرئاسة، ورفض الخوض في نقاشات مستقبلية «عملاً بقول الرسول: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».

اليسار: عدالة اجتماعية

قوى الاحتجاج التي تمثل اليسار المصري بعيدة حالياً عن حزب «التجمع»، الذي تورط كثيراً مع النظام السابق. إنها قوى تتطلع إلى يسار جديد يعمل وفقاً لمعتقداته، لا وفقاً لرؤية الدولة وأجهزتها الأمنية. في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ظهر تيار «الاشتراكيين الثوريين»، الذي ظل يعمل بدأب شديد، رغم الحصار الأمني وملاحقة أعضائه.
مبدأ «الاشتراكيين الثوريين» هو الإيمان بأن العدالة الاجتماعية هي الأساس الذي يمكن البناء عليه في إقامة حياة ديموقراطية حقيقية. وهم أعلنوا أنفسهم بلا خوف خلال الأيام الماضية، أثناء الثورة، وطرحوا تصوراتهم عن الثورة، ويعربون عن استعدادهم للتعاون مع أي تيار سياسي بهدف العبور إلى مجتمع أكثر ديموقراطية وأقل فساداً. «نحن مستمرون بالثورة حتى ترحل حكومة أحمد شفيق، ونيل الجماهير حريتها كاملة». هذا رأي سامح نجيب، أحد زعماء التيار الذي يرى أن الثورة لم تنته بعد، وأن الإضرابات العمالية كانت «عاملاً حاسماً في تنحّي مبارك، لذلك تصوّرنا للمستقبل مرتبط بحركة الجماهير».
ومن رحم «الاشتراكيين الثوريين»، خرج تيار «التجديد الاشتراكي». صوت مختلف ظهر في أوائل 2010، واندمج منذ البداية في الثورة، ويضع نصب عينيه هدفاً مركزياً: «إحدى مهمات التيار الآن، المشاركة مع باقي أطياف اليسار في تكوين حزب يساري عريض». وبحسب يحيى فكري، أحد قادة التيار، فإنّ رفاقه لا يمانعون التعاون والتنسيق في المستقبل مع قوى أخرى، حتى مع «الإخوان الذين عملنا معهم في السابق، ومن الممكن أن نعمل معهم في المستقبل من أجل الديموقراطية وانتزاع المزيد من الحقوق للشعب»، رغم أن «موقف الجماعة من الحريات الدينية ورؤيتهم للمرأة تمثّل حاجزاً في التواصل معهم»، وفق نسق فكري.

الجمعية الوطنية للتغيير

لا ينكر أحدٌ الدور الذي أدّاه محمد البرادعي في الثورة. فالرجل، بما يمثّله من ثقل دولي، أسهم بفاعلية في طرح ما نادت به القوى السياسية منذ نحو عام، ثمّ اختفى مع الوقت، بفعل الملل ربما. حطّت طائرة البرادعي في 18 كانون الثاني الماضي، وعلى الفور، انتاب الذعر نظام مبارك؛ فالبرادعي شخصية مرموقة دولياً، وحديثه عن الإصلاحات سيجد آذاناً مصغية. وجدّد الرجل الحديث عن تغيير الدستور وتقليص صلاحيات الرئيس وإلغاء القوانين الاستثنائية، وجمع حوله عدداً من أبرز الشخصيات السياسية في المجتمع، وتأسست «الجمعية الوطنية للتغيير»، وخرج أعضاؤها للتظاهر في جميع المدن، فتحقق للبرادعي وأعضاء جمعيته بعضاً مما أرادوه، وهو تنحّي الرئيس. لكن ماذا بعد؟ سؤال يجيب عنه أحد أعضاء الجمعية، مصطفى النجار، بالكشف عن «مسارين: الأول سياسي، وهو استمرار المطالبة بالتحول إلى الديموقراطية، والثاني تنموي يتمثل ببناء البلد بعد ما تكبّده الاقتصاد من خسائر خلال الأسابيع الماضية».