ما إن أمر وليّ العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة القوات العسكرية والأمنية بالانسحاب من الشوارع، حتى تدفق المتظاهرون الى ساحة دوار اللؤلؤة بعشرات الآلاف، في انتظار أن تنجلي مواقف المعارضة من مبادرة الحوار التي أطلقها ولي العهد، والتي يبدو أن الجناح المتشدّد في المملكة يعمل على إجهاضها، بحسب ما أكّدت مصادر متقاطعة لـ«الأخبار».


ووجّه ولي العهد صباح السبت أمره إلى «جميع قوات الأمن بالانسحاب الفوري من مناطق التجمع، وإلى الموجودين في هذه المناطق بالمغادرة لتفادي الاصطدام بين قوات الأمن والمتجمهرين، وذلك انطلاقاً من مبادرة لضبط النفس والتهدئة والبدء في مرحلة جديدة من العمل الوطني، تشارك فيها جميع الأطراف بغية تجاوز الوضع الراهن والعمل يداً بيد للحفاظ على مصلحة الوطن ومكتسباته التي ساهم فيها جميع أبناء مملكة البحرين، ولتأكيد وحدتنا ولحمتنا الوطنية».
وأعلن بدء مرحلة جديدة يجري فيها البحث في جميع قضايا الوطن بكل صدق وأمانة. وقال إن التهدئة مطلوبة في هذا الوقت لتمكين جميع الأطراف من طرح آرائهم وقضاياهم بصورة مسؤولة ومنتجة، مضيفاً إن «الأمور بدأت تعود إلى شكلها الطبيعي». وشدد على أنّه يجب أن «نجلس جميعنا على طاولة واحدة ونتحاور»، مشيراً إلى أن كثيراً من الأطراف أعلنت استجابتها لمبادرة الحوار التي أطلقها. وشدد على أنه يجب وقف الفتنة.
وفي مقابلة مع شبكة «سي أن أن» الإخبارية، أكد وليّ العهد أن أفضل طريقة لمعالجة الوضع من دون مزيد من سقوط الضحايا والمصابين هو فتح باب الحوار. وقال إن هذا الحوار سيجري مع كل الأطراف السياسية، موضحاً أن دوره يتمثل في نزع فتيل التوتر السياسي، والدخول في حوار مع الجمعيات السياسية، والعمل على بناء الثقة بين كل الأطراف.
ورأى أن سحب القوات الأمنية من الشارع يمثّل الخطوة الأولى على طريق بناء هذه الثقة. وغمز ممّا سماه القوى المتطرفة في البلاد قائلاً، إن «هناك قوى أخرى تعمل ودخلت على الخط»، مشيراً إلى أن «هذه الأحداث انطلقت منذ البداية وكانت هناك نيات جيدة تحركها، لكن أكبر خوفنا أنه يكفي أن تكون هناك مجموعة صغيرة راديكالية تخشى فقدان مصالحها، وتعمد إلى التصرف خارج إطار القانون».
وشدّد ولي العهد على أن مهمتنا تتمثل أساساً في بناء ما يكفي من الثقة مع الأطراف المعتدلة في البلاد حتى نتمكن من تجاوز هذه المشكلة. وأكد أن المتظاهرين في «دوار اللؤلؤة يمثلون شريحة مهمة من مجتمعنا البحريني وقناعاته السياسية وسنحرص على سلامتهم».
في هذه الأثناء، يعقد قادة المعارضة البحرينية اجتماعات مفتوحة من أجل الردّ على مبادرة ولي العهد الحوارية. وقال النائب عن جمعية «الوفاق» حسن سلطان إن هذه الاجتماعات مفتوحة، مشدّداً على أن «الحوار يحتاج الى أرضية مناسبة كي لا يكون حوار الطرشان».
بدوره، أعلن رئيس الكتلة البرلمانية لجمعية «الوفاق»، عبد الجليل خليل، أن الحوار لن يبدأ ما لم تستقل الحكومة ويحاسب من ارتكب المجازر، قائلاً إن «المعارضة لا ترفض الحوار، وإنما تطالب بالأرضية الصالحة للحوار». كما أعلنت جمعية «حق» المحظورة رفضها لهذه المبادرة.
مبادرة الحوار يبدو أنها تزعج أيضاً الجناح المتشدّد في المملكة برئاسة وزير الديوان الملكي، خالد بن أحمد آل خليفة. وذكرت مصادر متقاطعة لـ«الأخبار» أن هذا الجناح يعمل على إجهاض مبادرة وليّ العهد، وأنه من وقف وراء قمع المتظاهرين وارتكاب مجزرة الفجر في دوار اللؤلؤة.
وتابعت المصادر نفسها إن هذا الجناح يلعب على الوتر الطائفي من أجل تحريض الأطراف السنّية المتطرفة ضد وليّ العهد. وأشارت الى أن رسائل نصيّة كثيرة أرسلت على الهواتف الخلوية تحرّض على مبادرة وليّ العهد وتصفها بأنها استسلامية. ورأت هذه الأطراف أن «المعارضة تستغل طيبة وليّ العهد».
وكانت القيادة العامة لقوة دفاع البحرين قد أعلنت بيانها رقم 2 عقب أوامر وليّ العهد وينصّ على عودة وحداتها العسكرية المكلفة حماية المناطق الحيوية في وسط العاصمة إلى معسكراتها بعد إكمال مهمتها بنجاح.
وفور انسحاب قوات الجيش من العاصمة وفك الحصار عن الدوار، تسلّمت قوات أمنية المكان. وتقدمت بعدها الحشود باتجاه الدوار، لكن القوات الأمنية ردعتها بالقنابل والرصاص، إلا أنها ما لبثت أن انسحبت وأخلت الساحة بالكامل للمتظاهرين الذين نصبوا الخيم من جديد استعداداً للمبيت. وعادت الثورة بهتافاتها ولافتاتها وحماستها على الدوار. وضم الاعتصام جميع أطياف الشعب، فشوهدت فرق معتصمة للمعلمين والتلاميذ والأطباء والمحامين.
وكان الأمين العام لجمعية «وعد» إبراهيم شريف قد طلب من قائد القوات الأمنية السماح للمتظاهرين بالتعبير عن رأيهم والاعتصام بسلمية. وقال إنه «تحدث شخصيّاً مع ضباط لوزارة الداخلية كانوا قد أحاطوا الطرق المؤدية إلى الدوار من جهة السنابس، وطالب بعدم استخدام القوة والتدخل لفض الاعتصام السلمي»، مشيراً إلى أن «ردة فعل الضباط كانت إيجابية إلى حدّ ما»، ولا سيما «أنه ليس هناك أوامر من القيادة بوزارة الداخلية بالقيام بذلك».
وأثار الأمين العام لجمعية «الوفاق»، الشيخ علي سلمان، في كلمة للحشود أمام الدوار، قضية المفقودين الذين يعتقد أنهم قتلى. وقال إن «هناك مفقودين؛ فعلى من ارتكب المجزرة أن يقدم ما يفيد أين هم؟ فهم في مسؤولية من ارتكب المجزرة».
وأكد، من جهة ثانية، وحدة المجتمع البحريني ونبذ الطائفية، مشدداً على «أننا نريد حكومة تستحق شعب البحرين». وتابع «أؤكد يا أصحاب «ثورة اللؤلؤ» ستعيشون في هذا المكان، تحابّوا تحاوروا تزاوروا»، موجّهاً وصية أخيرة إلى المعتصمين «بالسلمية بالسلمية بالسلمية».
وكانت مصادر قد تحدثت في وقت سابق عن أن هناك ما يزيد على عشرة أشخاص مفقودين، وذكرت أنها شاهدت شاحنات ثلاجات بالقرب من الدوار، ورجحت أن يكون هؤلاء المفقودون قد قتلوا وأخفيت جثثهم. وهو ما عادت وأكّدته جمعية شباب البحرين لحقوق الإنسان، لكنها ذكرت أن هناك نحو عشرة أشخاص لا يزالون مفقودين، وأنه ليس هناك أي أخبار عنهم منذ مجزرة الدوار، وأشارت إلى معلومات غير مؤكدة بأنهم قتلوا وأخفيت جثثهم.




نايف والملك

أجرى وزير الداخلية السعودي نايف بن عبد العزيز اتصالاً بالملك حمد بن عيسى آل خليفة. وقالت وكالة أنباء البحرين إن الطرفين بحثا في العلاقات «الأخوية الوطيدة»، التي تربط بين البلدين والشعبين «الشقيقين». وأكد نايف للملك وقوف بلاده الى جانب البحرين «حكومة وشعباً ضد كل ما يمسّ أمنها واستقرارها ووحدتها الوطنية».
بدورها، دعت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون السلطات في البحرين الى إجراء الإصلاحات في أسرع وقت ممكن.
(أ ف ب، يو بي آي)