قال سيف الإسلام القذافي في أيلول الماضي إنه «لا توجد اليوم دولة في ليبيا»، وكان يعلق على مشاركة بلاده في معرض اقتصادي في الصين. اتهم الحكومة الليبية بالتقاعس، ورأى أن المشاركة الليبية أسوأ مشاركة.

لم يذهب الابن الثاني للعقيد القذافي من زوجته الثانية لكي يطلب العلم في الصين، فهو رجل أتم تعليمه في أرقى الجامعات النمسوية والبريطانية. يقضي جل وقته في الغرب، ويعيش في صورة شبه دائمة في منزله اللندني في منطقة هايد بارك الراقية مع صديقته الإسرائيلية.

وبالتالي لا تعوزه الحيلة لأن يرى بلاده من منظار أوسع، فهو صاحب خبرة وتجربة طويلة، وظل على مدى سنوات يقدم نفسه على استحياء بأنه الوجه الآخر للنظام الليبي. حرص على أن يكون متقشفاً ولبقاً تطبع محيّاه ابتسامة سعيدة لا تفارق شفتيه. يرسم ويهوى الشعر والصيد بالصقور وتربية النمور والأفاعي الاستوائية، لكنه لا يتحدث صراحة عن طموحاته الرئاسية، بل ترك للآخرين أن يرشحوه أكثر من مرة على أنه الوريث المحتمل لوالده زعيم الثورة.
ولد سيف الإسلام في طرابلس الغرب، في 25 تموز 1972، وأمضى طفولته داخل الثكنات العسكرية الواسعة في منطقة العزيزية، حيث كان والده العقيد يصر في سنوات حكمه الأولى على العيش في منزل متواضع وخيمة بدوية كبيرة. حظي بثقة والده، الذي فتح أمامه دروب الطموح في أواخر عام 1994، عندما تخرج لتوه من جامعة الفاتح في طرابلس، بعدما حصل على شهادة الهندسة المعمارية. وعلى الفور، بات مسؤولاً عن تصميم مبنى مجمع كبير مع المنازل والفنادق والمساجد. وسرعان ما تضاعفت المشاريع والفيلات والمجمعات الرياضية، ومراكز الترفيه. وفي سنة 2000 كلفه والده أول عملية دبلوماسية في الخارج، هي تحرير رهائن غربيين اختطفتهم جماعة أبو سياف في الفيليبين، وقيل يومها إن ليبيا اشترت الرهائن الغربيين من أبو سياف الذي كانت تدعمه، ودفعت الثمن غالياً لتبييض صفحتها.
كان ذلك مناسبة للتعريف، لأول مرة، بمؤسسة القذافي للأعمال الخيرية، التي أدت بعد سنوات أدواراً مشابهة مثل تحرير الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني. لكن تسوية طائرتي لوكربي ويوتا التي كلفت ليبيا نحو 3 مليارات دولار تعويضاً لعائلات الضحايا، كانت العملية الأبرز ضمن النشاطات التي مهدت لظهور سيف الإسلام على المسرح الدولي، بصورة مختلفة عن نظام والده.
حرص سيف الإسلام على تقديم نفسه بلا تكلف: بنطال جينز أزرق واسع، وقميص مفتوح، وابتسامة عريضة. ومن لندن في صالون دارته الباذخة في هايد بارك، أدى دور الشاب المتواضع، الودي، الذي يعيش مسترخياً بلا بروتوكول. وخارج المبنى الذي يسكنه، لا توجد حتى لوحة تدل على اسم شاغل القصر الفخم، ولا حراسات مسلحة لحماية قاطنه. حياة ظاهرها البساطة ونشدان الهدوء وراحة البال، لكن باطنها السرية، لذا، حرص على أن تكون السكرتيرة التي تسجل الملاحظات ليبية، لكن الخادم بريطاني. وبسرعة شديدة أغوى وسائل الإعلام التي صارت تغازله وتصفه بـ«جولدن بوي». هو خبير في التواصل، قادر على شد انتباه الآخرين، ومخاطبة مشاعرهم.
رسمياً، لم يكن هذا الشاب حتى سنة 2004 يتقلد أي وظيفة، بل كان منهمكاً في الدراسة. وعلى غرار والده، الذي جمع كل المناصب والألقاب، لم يتقلد أي وظيفة ولم يقم بأي دور رسمي في شؤون الدولة، وظل يردد في أحاديثه «أنا مجرد ليبي يفعل ما يستطيع لبلده». لكن الأوساط السياسية ووسائل الإعلام تعاطت معه بوصفه ولي العهد و«أمير ليبيا». وتعاملت معه العديد من الحكومات الغربية على أنه وريث شرعي لوالده، واستقبله رؤساء دول على هذا النحو، ومنهم الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.
لكن سيف الإسلام نفى دائماً أي إمكان للخلافة في «دولة الجماهير»، التي تعيش منذ الفاتح من سبتمبر 1969، بلا انتخابات ولا دستور ولا حرية لتكوين الجمعيات والأحزاب السياسية والإعلام، وهي العناوين التي توقف عندها في أول خطاب له مساء أول من أمس، الذي دشن فيه رسمياً دخوله العمل السياسي من باب الأزمة، مبشراً بالجماهيرية الثانية.
تصرف سيف الإسلام ليل أول من أمس كولي عهد، لا كخليفة محتمل، حين تحدث بلهجة تتجاوز مهماته في الجماهيرية، التي من المفروض أن مواطنيها متساوون، ولا فرق بين أبناء العقيد وأبناء الشعب. وتكمن المفارقة في أن سيف الإسلام الذي لا يشغل أي منصب رسمي، هو الذي أطل ليدلي برأيه حيال مشهد الدم في بلاده، ويقدم مبادرة لوقف الثورة الشعبية، وبدا كأنه والده الذي خرج الشعب الليبي يهتف بسقوطه، لكن من دون جلباب.
الصفة التي أسندها التلفزيون الليبي إلى نجل العقيد هي المهندس، لكن الشاب الذي دخل عالم السياسة من باب حل مشكلة لوكربي، لم يبد قدرة على هندسة الوضع الداخلي المتفجر في ليبيا منذ خمسة أيام، بل ظهر متصلباً، يشبه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في خطابه الأول، الذي كال فيه للمتظاهرين شتائم وأطلق تهديدات. فنجل الزعيم الليبي يرى أن نسبة كبيرة من المحتجين هي من الحشاشين والسكرجية ومتعاطي عقارات الهلوسة. وركز في صورة أساسية على ثلاث نقاط: احتمال قيام إمارات إسلامية، وقف تدفق النفط، واندلاع حرب أهلية.
سخّر جزءاً أساسياً من حديثه لقضية النفط، ولعب عليها من زاويتين: أنه المصدر الأساسي لعيش الليبيين، وأن الغرب بحاجة إليه، وبالتالي لن يسمح بأن يتوقف أو يحترق، وسيجر ذلك إلى احتلال جديد لليبيا.
أدى سيف الإسلام دوراً حيوياً في التفاوض على إنهاء العقوبات الدولية على ليبيا بعد أن تخلت عن برامج الأسلحة النووية سنة 2004، ومنذ ذلك الحين بدأ الغربيون يرون فيه المرشح الأوفر حظاً لأن يكون الزعيم المقبل لليبيا. وقُدِّم بوصفه يمثل جناح الاعتدال والتحديث بوجه التيار المتصلب الذي يقوده شقيقه منتصر الذي يتحكم بالاستخبارات والأجهزة العسكرية، والذي يقف خلفه الحرس القديم المتمثل بالأجهزة السرية التي حكمت ليبيا طوال الفترة الماضية، واستفادت من الريع النفطي الهائل. وفي نهاية السنة الماضية ساد الاعتقاد بأن حظوظ سيف الإسلام قليلة في تصدر المشهد، نظراً لوجوده في الخارج، بينما شقيقه يعزز مواقعه على الأرض.
النظرية العالمية الثالثة الواردة في الكتاب الأخضر هي مزيج من الفكر الصحراوي وخليط من أفكار اشتراكية ورأسمالية. وبالنسبة إلى سيف الإسلام، فإن النظرية ديموقراطية، والأمر «يعتمد على الممارسة». وأعرب في أكثر من مرة عن أن الليبيين هم أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى اختيار قادتهم بحرية، لكن ليس بالضرورة من خلال صناديق الاقتراع «هذه ليست فقط الطريقة الوحيدة، ويجب علينا البحث عن سبل لتشمل الناس في آليات صنع القرار».
الجزء الثالث من خطاب سيف الإسلام صدم الكثير من المراقبين الذين كانوا يرون فيه رمزاً للانفتاح والإصلاح والخصخصة الشاملة. وإلى يوم أول من أمس، كان يعد أقرب إلى قطاعات المحامين والأساتذة والطلاب والمثقفين والدبلوماسيين ورجال الأعمال. وهذه قطاعات لم تجرؤ على التحدث علناً عن التغيير. وكانت ترى في نجل العقيد رمز الانفتاح على الخارج وأمل التغيير الاستراتيجي الحقيقي. لكنه حين تحدث بلغة نارية، ورفع راية القتال، أسقط الصورة التي عمل على تكوينها طوال عقد ونصف عقد.
لا تخلو شخصية سيف الإسلام من التناقض الذي اتسمت به سلوكيات والده؛ فهو رغم إشارات الانفتاح التي ظل يرسلها، لم يتحرج في القول: «لا للسياسة». الأمر بالنسبة إليه كما هو بالنسبة إلى والده، واستشهد بأقفاص غوانتانامو، حين تحدث عن المعتقلين الإسلاميين «كلهم إرهابيون خطرون». في بلد تبلغ مساحته ثلاث مرات مساحة فرنسا، من المفترض أن الجماهير تحكم نفسها من خلال اللجان الشعبية التي تسيطر بدورها على الجيش والشرطة السياسية، واللجان الثورية.
«والدي صاحب رؤية، ليس ملكاً ولا رئيساً، يقول ابن» راعي سرت. و«لذا لا توريث». لكنه امتطى المشهد حين نزلت صورة الوالد وتمرغت بالوحل.
ومنذ وقت ليس ببعيد، قال سيف الإسلام: «في الوقت الراهن، لسنا في عجلة من أمرنا». وكان سعيداً لأن عاصفة الشرق الأوسط الكبير مرت من دون أن تضرب بلاده، وزال الخوف الذي تولد بعد غزو العراق، حيث فتحت ليبيا ترسانتها العسكرية وسمحت بعمليات التفتيش، وقامت بمصالحة مع إدارة بوش التي عادت لفتح سفارتها في طرابلس. لكن عواصف الثورات الشعبية جعلت المستحيل ممكناً، وتهاوت الجماهيرية الأولى.