صنعاء | يعيش حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، هذه الأيام، فترة صعبة، وهو يتعرض لاختبار أخلاقي على مستوى الخيارات التي يقدمها مستشاروه الكبار لقمع الاحتجاجات السلمية التي اندلعت في اليمن بعد ثورتي تونس ومصر. خيارات تبدأ باستخدام عربات الإسعاف لنقل عناصر أمنية بزيّ مدني لأماكن تجمّع المحتجّين سلمياً، وبداخلها صور الرئيس صالح وأعلام المؤتمر الشعبي، ولا تنتهي بلعب الورقة المناطقية بكل ما تحمله من مؤشرات خطيرة ومهددة للسلم الأهلي، وخصوصاً في بيئة متنوعة على مستوى الطبقات الاجتماعية والمذهبية، ولا تحتاج إلى مزيد من التوتر ووضعها في خانة التمايز والتفضيل.

لكن، يبدو أن الرئيس صالح لا يلتفت إلى كل هذه المخاطر، فذهب في الأسبوعين الأخيرين إلى استخدام هذه الورقة على نحو لافت ومنذر بأكثر من انفجار، ما استدعى ردة فعل من «تحالف وطن، نساء من أجل السلم الاجتماعي»، الذي أصدر بياناً حمل إدانة لنظام لم يعد متردّداً في استخدام ورقة القبيلة في حسم معركته في ما يخص الحركات الاحتجاجية السلمية القائمة في البلد واستغلال حاجة الناس إلى المال، للزج ببعضهم لقمعها، مستخدمين وسائل غير مسبوقة في المشهد اليمني، ومنها التعرض للنساء وأفراد عزل. ولم تتوقف ممارسات صالح عند هذا الحد، بل عمد إلى استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى. وكانت البداية من عدن، وهو ما اضطر النائب البرلماني عن الحزب الحاكم عبد الباري دغيش إلى تقديم استقالته من الحزب، وذلك بعدما سبقه النائب عبد الكريم الأسلمي.
وقال دغيش، في اتصال مع «الأخبار»، إن «حزب المؤتمر الشعبي فقد البوصلة، ولم يعد قادراً على توجيه تحركاته على نحو عقلاني ومنطقي»، معتبراً أنه يجب على الحزب الحاكم «التخفيف من تأجيج الأوضاع لا أن يزيدها فورة». وأضاف «ينبغي على العقلاء البحث عن وسائل لتخفيف حدة ما يجري، لا الإمعان في صب الزيت على النار».
وتأتي هذه الاستقالة بعد تلويح عشرة أعضاء برلمانيين ينتمون إلى الحزب الحاكم، بينهم دغيش، بتقديم استقالاتهم في حال استمرار التعامل مع المتظاهرين بهذه الطريقة الوحشية التي يغلب عليها طابع العنف، والمتناسية لحقيقة أن هذه الحركات الاحتجاجية المطالبة بتنحّي صالح سلمية.
واتسعت دائرة الاحتجاج على أفعال العناصر الموالية للحزب الحاكم، أو ما يُطلق عليهم «البلطجية»، لتطاول هيئة التدريس بجامعتي صنعاء وتعز، اللتين أعلنتا الانضمام صراحة لدعم الحركات الاحتجاجية السلمية في صنعاء وتعز التي تدخل يومها الثاني عشر.
إزاء كل هذه التطورات، لم يكن بوسع أحزاب اللقاء المشترك أن تقف متفرجة، وهي ترى كل هذا الانفلات الأخلاقي الذي تواجه به الحركات الاحتجاجية السلمية، وخصوصاً بعد تصاعد أصوات منتقدة لها وتشير باتجاه تمترسها خلف شعارات التمسك بخيار الحوار مع الحزب الحاكم. ولم تجد أمامها سوى إعلان رفض الحوار مع السلطة، ولا سيما بعدما بدأ الحراك الجنوبي والحوثيون يعلنون بصراحة تأييدهم لمطالب المحتجّين. فخرجت لتؤكد أنه «لا حوار مع الرصاص والهراوات وأعمال البلطجة، ولا حوار مع سلطة تحشد المرتزقة والمأجورين لاحتلال الساحات العامة ومداخل المدن وإرهاب الأهالي وتعكير السكينة العامة»، في الوقت الذي وحّد فيه المتظاهرون في شمال اليمن وجنوبه، أمس، هتافهم بـ«نريد إسقاط النظام»، بعدما كانت الدعوات المطالبة بفك الارتباط هي الأكثر شيوعاً.
وفيما انضمّ المئات من شباب محافظة أبين الجنوبية الى الآلاف من المعتصمين الشباب في مدينة تعز، في مؤشر واضح على توحيد الجهود لإسقاط النظام، قتل شابان يمنيان وأصيب ما لا يقل عن عشرة أشخاص في اشتباك مع جنود في مدينة عدن في جنوب اليمن.
بدورها، انضمت صعدة أمس إلى قائمة المحافظات التي تشهد تظاهرات مطالبة بتنحّي صالح. ونظّمت تظاهرة حاشدة في مدينة ضحيان، شارك فيها عشرات الآلاف من أبناء مديريات سحار وصعدة ومجز وقطابر والمناطق المجاورة.
ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها «الشعب يريد إسقاط النظام» و«ارحلوا أيها الظالمون». كما عبّر المتظاهرون عن موقفهم الداعم والمساند للمسيرات الشبابية والشعبية في صنعاء وتعز وعدن وأبين وبقية المناطق الأخرى.
ودعا المتظاهرون في بيان أصدروه المواطنين «إلى المشاركة الفاعلة في النضال السلمي حتى يتحقق للشعب مراده ويزيل عنه همومه وآلامه»، وطالبوا اليمنيين بضرورة «تبنّي خطاب التصالح والتسامح وتجاوز الخلافات والحساسيات التي زرعها النظام على مدى العقود الماضية».
في هذه الأثناء، تمسك الرئيس اليمني بوجوده في الحكم، معلناً أنه لن يرحل عن الحكم إلا عبر صناديق الاقتراع وأن المحتجّين لا يمكنهم أن يحققوا هدفهم من خلال الفوضى. ورأى أن ما يحصل في اليمن هو مجرد عدوى انتقلت من تونس ومصر، وأنها أشبه «بأنفلونزا»، معلناً استعداده لإعطاء المعارضة رئاسة الحكومة، مبدياً في الوقت نفسه تشككه في قدرتها على إدارتها أسبوعاً واحداً.