موسى كوسى (61 عاماً)، وزير الخارجية الليبي، نال شهادة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة ميتشيغان في 1978، وحملت عنوان «القائد السياسي وخلفيته الاجتماعية: معمر القذافي القائد الليبي». كان يفخر خلال أيام الدراسة بأنه «سليل فرسان القديس يوحنا» الذين جاؤوا من جزيرة مالطا واحتلوا طرابلس ما بين 1535 و1551. وكان من السبّاقين إلى الانخراط في حركة اللجان الثورية، وأسهم في نشاطاتها القمعية الدموية في أوساط الحركة الطلابية في كليات جامعة طرابلس وفي الولايات المتحدة.


بداية رحلته المهنية كانت من داخل أجهزة الاستخبارات، حين عُيّن مسؤولاً عن أمن السفارات الليبية في شمال أوروبا، قبل أن ينصّب سفيراً في لندن عام 1980. في هذه الفترة كان نظام العقيد القذافي يلاحق المعارضين في الخارج ويصفّيهم، وكان كوسى أداة هذا النظام للقيام بهذه المهمة الأمنية، ما أدى إلى طرده من قبل البريطانيين. أشرف حينها على عمليات الاغتيال التي استهدفت الإذاعي محمد مصطفى رمضان والمحامي محمود عبد السلام نافع في لندن عام1980. أقرّ بعدها بالجريمة، وقال إن «ليبيا ستقدم مساعدات فعالة للجيش الجمهوري الإيرلندي إذا رفضت بريطانيا تسليم معارضين للعقيد القذافي». تداعيات المهمة لم تنه نشاطه، بل على العكس، فقد نشط كوسى على مدى سنوات لاحقة، خلال تدرّجه في تولّي المناصب الأمنية والاستخبارية، في مطادرة المعارضين وتصفيتهم في كل أرجاء العالم، وزرع العملاء لملاحقتهم.
وقد أشرف كوسى على «المثابة العالمية» لمقاومة الإمبريالية والعنصرية والرجعية والفاشية منذ تأسيسها في عام 1982، إلى أن حُلّت في 1994. وكانت هذه المثابة تتبع القذافي مباشرة، وترتبط بجهاز الاستخبارات العسكرية عبر إدارة العمليات برئاسة عبد الله محمود حجازي، وبجهاز الأمن الخارجي عبر إدارة المعلومات برئاسة عبد الله السنوسي المقرحي.
وهذه المثابة مسؤولة عن جميع عمليات الإرهاب الخارجي في مصر والسعودية ولندن وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا واليونان والنمسا، وتفجير ملهى لا بيل الليلي في برلين، وتفجير طائرتي «لوكربي» الإسكتلندية و«يوتا» الفرنسية. وقال عنه أحد عناصر «سي آي إيه» إن «يديه ملطختان بالدماء في جميع أنحاء العالم».
تنقّل بعدها بين المناصب، فعُيّن نائباً لوزير الخارجية ما بين 1992 و1994، ثم رئيساً لجهاز الاستخبارات (جهاز الأمن الخارجي) لمدة 15 عاماً من دون انقطاع. قاد خلالها أشد الملفات تعقيداً: العلاقة مع الغرب، ولا سيما بعد فرض الحصار على بلاده منذ 1992، والتفاوض معه من أجل تعويض ضحايا لوكربي (1988) وطائرة «يوتا» الفرنسية فوق النيجر (1989) ، وبرنامج مكافحة الإرهاب والتنسيق مع «سي آي إيه» بعد اعتداءات الحادي عشر من أيلول، وتسليم البرنامج النووي الليبي، عبر التنسيق مع الاستخبارات البريطانية والأميركية في 2003، والتصالح مع الغرب، وأخيراً قضية الممرضات البلغاريات.
وخلال فترة الحصار الغربي، سعى كوسى بكل قواه من أجل تجميل صورة القذافي، واستطاع من خلال زياراته الاستخبارية الخارجية اكتساب انطباعات إيجابية لدى قادة الأجهزة الأمنية العربية. وأجرى اتفاقات على برامج للتعاون وتبادل الخبرة والمعلومات لمواجهة «الأعداء المشتركين»، المتمثلين تحديداً في معارضي هذه الأنظمة. واستقدم عدداً من الخبرات الأمنية العربية المتقاعدة، وخصوصاً من مصر، وأقام لهم مقرّاً خاصاً في مسقط رأسه «تاجوراء».
وعلى أثر هذا التعاون الأمني، جرى في منتصف التسعينيات تبادل صفقات التسليم وتبادل اللاجئين السياسيين بين نظام القذافي وعدد من الأنظمة العربية، كمصر وسوريا والسعودية والسودان. كذلك قدّم معلومات استخبارية إلى الأجهزة الأمنية الغربية، بغرض رفع رصيد ليبيا في بعض ملفاتها الإرهابية، كما فعل حين سلّم معلومات إلى جهاز الاستخبارات البريطاني «MI6»، في أواخر التسعينيات، عن الجيش الجمهوري الإيرلندي، ما دفع بعض المتعاونين السابقين مع الاستخبارات الليبية إلى القول «لقد غدر القذافي بنا جميعاً».
وفي 1998، التقى رجل القذافي مع عدد من رجال «سي آي إيه»، بمن فيهم رئيس الوكالة السابق جورج تينيت، برعاية رئيس جهاز الأمن القومي السعودي بندر بن سلطان، وجرى حينها التفاهم على حل قضية لوكربي. وبعد أحداث 11 أيلول، التقى كوسى مع عدد من مسؤولي «MI6» و«سي آي إيه»، وفي حوزته ملفات تحوي أسماء «إرهابيين إسلاميين» وأماكن وجودهم ونشاطهم في أوروبا وشمال أفريقيا والدول العربية وآسيا، قبل أن يطير برفقة ابن القذافي سيف الإسلام إلى باكستان في طائرة خاصة لنقل ليبيين وعائلاتهم، قيل حينها إن هؤلاء عملاء للاستخبارات الليبية كُلّفوا بالانتشار في أفغانستان واختراق صفوف الحركات المتمردة. وفي 2003، كان كوسى ورفيق دربه عبد الله السنوسي المقرحي من أصدرا الأمر في محاولة اغتيال الملك السعودي عبد الله، حين كان وليّاً للعهد، بناءً على تعليمات العقيد.
آخر محطات حياته المهنية كانت تولّيه منصب وزير الخارجية منذ آذار 2009، بعدما قرّر القذافي إجراء تعديل في اللجنة الشعبية العامة (الحكومة) ونقل كوسى من رئاسة جهاز الأمن الخارجي إلى وزارة الخارجية، خلفاً لعبد الرحمن شلقم.
(الأخبار)