مقاضاة العقيد بين خيارين: قوانين أو محكمة دوليّة

قبل ثلاثة أيام، نشرت صحيفة «ذي اندبندنت» البريطانية مقالاً للمحامي المتخصص في مجال حقوق الإنسان، العضو في مجلس العدالة التابع للأمم المتحدة، جيفري روبرتسون، يدعو فيه إلى توجيه اتهامات إلى الزعيم الليبي معمر القذافي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وقال إن «القذافي هو أسوأ رجل متروك في العالم. سِجلّه الملطخ بالدماء من الإرهاب والتعذيب والقتل الجماعي يستحق العقاب عدة مرات، وقد يُقدم الشعب على شنقه انتقاماً إذا ما تمكن من ذلك، لكن أيام شنق الحكام الدكتاتوريين وتعليقهم على أعمدة الإنارة في الشوارع ولّت. لا بد أن تأخذ العدالة الدولية مكان الجماهير المحقّة التي تُقدم على الشنق...».
وفي اليوم نفسه، قال العضو السابق في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هادي شلوف، إن القانون الدولي «يقر باحترام الناس وعدم استعمال القوة ضد الشعوب»، مؤكداً أن «كل ما يجري الآن موثّق عن طريق الطب الشرعي والكاميرات وغيرها من الأمور، وأنه ستجري محاكمة القذافي الذي يرتكب جرائم إبادة جماعية».
ويبدو أن القذافي مدرك ليوم محاكمته، وعلى هذا الأساس أبدى اعتراضه على مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. حينها أعلن أن مذكرة الاعتقال هذه «تُمثل سابقة خطيرة للنيل من استقلال الدول الصغيرة وسيادتها وخياراتها السياسية»، مشيراً إلى أن ما أقدمت عليه المحكمة يعدّ «انتقائياً وتطبيقاً لسياسة المعايير المزدوجة».
رفض القذافي اعتقال البشير وسعى إلى تحصين نفسه من خلال إقامة علاقات جيدة مع الغرب. ظنّ أن النفط كفيل بتأمين حماية أبدية له، لكنه أخطأ الحساب. انتفض شعبه في وجهه فسارع إلى استخدام كل أسلحته، ليرتكب مجازر بحق مواطنيه!
إزاء هذه المجازر، ما هو موقف القانون الدولي؟ المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو، أعلن يوم الأربعاء الماضي أن المحكمة لا تستطيع التحقيق في الجرائم التي يُزعم أنها ارتُكبت في ليبيا إلا بموافقة الحكومة الليبية، أو إذا حوّل مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة، باعتبار أن ليبيا ليست ضمن الدول الموقّعة على نظام روما الأساسي.
وفي السياق، يشرح الأستاذ في القانون الدولي حسن جوني لـ «الأخبار»، أن القانون الدولي يبحث بدايةً في أيّ خانة يمكن إدراج الوضع في ليبيا، هل هو توتر داخلي أم اضطرابات داخلية أم حرب أهلية؟ يقول إن «الوضع في ليبيا ليس حرباً أهلية، نظراً إلى غياب عناصر النزاع العسكري بين الطرفين. فما تشهده ليبيا هو ثورة يقوم بها مدنيون عُزّل ضد نظام القذافي، ويجري إطلاق النار عليهم بصورة ممنهجة». هل يعني ذلك أن القذافي تحول إلى مجرم حرب؟ يوضح جوني أن جريمة الحرب يمكن إطلاقها فقط في إطار نزاع عسكري مسلّح سواء كان حرباً أهلية أو خارجية، لكن القذافي ارتكب أفظع من ذلك: «جريمة ضد الإنسانية»، تضاف إليها جريمتا التعذيب والإرهاب. أما عن احتمال محاكمة القذافي بتهمة ارتكابه جرائم ضد الإنسانية، فيتحدث جوني عن احتمالين يمكن سلوكهما، أحدها محلي والآخر دولي. يقول إنه في حال انتصار الثوار، يمكن أن يطالبوا بمحاكمته وفق قانون العقوبات الليبي الذي يجرّم القتل بالحد الأدنى، أو من خلال إنشاء محكمة استثنائية ثورية. أما دولياً، فيمكن مجلس الأمن إحالة القذافي على المحكمة الجنائية الدولية، فيدّعي عليه المدعي العام ويطلب من الانتربول الدولي توقيفه، ولن يكون أمر توقيفه صعباً، وخصوصاً أنه سيكون فاقداً الشرعية.
يصرّ جوني على أهمية أن يحاكمه شعبه بنفسه، مشيراً إلى خطورة التدويل حفاظاً على سيادة الدولة ومنعاً للتسييس. فهل يعّد الثوار للقذافي يوم محاكمته؟