عندما تقطن في المخيم، فإنك تعتاد رؤية السطوح تعج بالأغراض القديمة والمهملة، وهي عادة (مخيمجية) أصيلة. نصيبي من هذه العادة كنز من القناني الفارغة المتعددة الأحجام والأشكال لأفخر أنواع الكحول الوطني والأجنبي وأردئها، جمعتها على مدار عشر سنوات. كانت إجابتي في البداية لمن يسأل عن سبب الاحتفاظ بهذه الزجاجات أنني أحاول إبقاء بعض الذكريات.

وبعد فترة من الزمن، قابلت أبو ربيع، وهو شقيق صديقي، وتبين لي أنه يملك هاجساً أكبر من هاجسي؛ فقد استطاع جمع برميلين من القناني، وعندما سألته عن السبب، أجابني بأنه يريد في النهاية أن يبيعها ويشتري بثمنها طائرة. أعجبني تهكم أبو ربيع، وبدأت أكرره لسنوات.
ومنذ يومين، حلمت بعفريت خرج لي من إحدى القناني وأبدى استعداده لتلبية رغباتي، لكن لا أعرف لماذا لم أطلب من العفريت شيئاً مادياً، بل انهلت عليه بالأسئلة عمّا إن كان يملك بعض المعلومات عن تاريخ إعلان الدولة الفلسطينية، وإن كان هناك حل عادل لقضية اللاجئين، وعن وقف الاستيطان وإنهاء الانقسام، وعما إن كانت هناك ضربة محتملة لغزة أو لبنان، وعن حقيقة البرنامج النووي الإيراني، وعن مستقبل اليسار وهل سيبقى يساراً أم ماذا؟ وهل سيتأهل أحد المنتخبات العربية إلى الدور النهائي لكأس أسيا؟ وهل سيتابع المنتج فراس إبراهيم تصوير مسلسله عن حياة الشاعر محمود درويش ولن يلتفت إلى الأصوات التي عارضته؟ بدا العفريت مستغرباً، لكنه أجابني على طريقة «ربما، وما أدراني؟، يجوز، حسب...». لكن، مع الأسف بدأ هاتفي بالرنين، معلناً نهاية الحلم. حاولت جاهداً أن أعود إلى النوم، لكن دون جدوى. استيقظت وانتهى الأمر. ومن يومها، صار هذا العفريت هاجسي أبحث عنه في كل مكان في القناني الفارغة والملأى، في أهم الصحف، في أبرز القنوات، على الفايسبوك، في جمعية عفاريت بلا حدود. وصلت إلى رقم هاتفه، لكنه خارج الخدمة أو أنه لا يرد على أرقام غريبة ربما.
لكنني في حقيقة الأمر أعترف بخطئي؛ فقد طمعت بهذا العفريت المسكين. فلو أنني حددت سؤالاً أو اثنين لحصلت على الإجابة، لكني أعد عفريتي «الويكيليكسي» بأنه إن ظهر لي مرة أخرى فلن أسأل إلا سؤالاً واحداً: هل نحن حقاً محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ؟ كما قال سعد الله ونوس، وأتمنى أن تجيبني بنعم حتى أعيد تخطيط هذه الكلمة مرة أخرى على الحائط بجانب صورته، لأنني أعرف أنني وأبو ربيع ومعنا كل «شرّيبة المخيم» لن نستطيع شراء تلك الطائرة، وذاكرتي لم تعد تتسع لكل تلك الذكريات ولا تتحملها.