مع وصول المعارك في ليبيا بين المعارضة والسلطة إلى مدينة تاجوراء، أصبح الثوار عملياً على أبواب طرابلس، ذلك أن الكيلومترات القليلة التي تفصل الثوار عن قلب العاصمة، لم تثنهم عن مواصلة التسلّح وتجنيد المواطنين من مدن الشرق لمؤازرة سكان العاصمة. ورغم أن الجيش الليبي قد أقام عدداً لا يُحصى من الحواجز العسكرية على كل الطرقات المؤدية الى طرابلس، إلا أنه عملياً لم يتدخّل في المعارك حتى الآن، ويبدو أنه فضّل البقاء على الحياد وملازمة الصمت، إذ إنه لم يصدر أي بيان مع المتظاهرين أو ضدّهم، وإن كان في الشرق قد تخلّى لهم عن مخازن الأسلحة والعتاد وسلّمهم كل ما يقع تحت تصرّفه، بل أسهم أيضاً في تدريب البعض منهم على كيفية استعمال الأسلحة الثقيلة.


في هذه الأثناء، نشطت الحركة في معظم شوارع العاصمة الليبية طرابلس، وإن استمر الحذر، بعدما أقدمت الحكومة على صرف مبلغ 500 دينار لكل عائلة وشروع عدد من المصارف في توزيعها وتسليمها لهذه العائلات لمواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ورغم الخلوّ التدريجي لشوارع وميادين طرابلس من الوجود الأمني لدفع الليبيين لتعزيز الحركة في المدينة، إلا أن أجواء الحذر والترقب لا تزال مسيطرة على الناس، نتيجة الخوف بعد المواجهات التي وقعت بين المتظاهرين وقوات الأمن يوم الجمعة الماضي، وأدت إلى مقتل وجرح العديد من الجانبين.
وكان كثيرون قد توقعوا ارتفاع حدة التظاهرات في طرابلس عقب تشييع القتلى الذين سقطوا في تظاهرات يوم الجمعة. غير أن التشييع جرى أول من أمس السبت، من دون حوادث، برغم الاحتقان الذي بدا على المشيعين وترديدهم الهتافات المناوئة للنظام والتأكيد أن دماء أولادهم لن تذهب هدراً.
وتوافدت جموع من المحتجين، مسلحين ببنادق كلاشنيكوف وقاذفات «آر بي جي» وبنادق قديمة، إلى طرابلس لدعم زملائهم الذين يريدون إنهاء حكم القذافي في كل أنحاء البلاد، إلا أنهم توقّعوا أن تقف سرت (مسقط رأس القذافي) إلى صفه حتى النهاية. وذكرت صحيفة «صنداي تايمز» أن بطش القذافي بدأ يزداد مع إدراكه أن الدائرة تضيق من حوله. وقالت إن القذافي قضى الأيام القليلة من دون أي من أتباعه تقريباً، باستثناء أبناء قبيلته، وإن خطابه الأخير الذي قال فيه إنه سيفتح مخازن السلاح لمن يريد الدفاع عنه يعدّ مؤشراً على عزمه القتال بأيّ ثمن.
ونقل موقع «جيل» عن شهود عيان أن هناك نساءً ضمن فرق المرتزقة التابعة للقذافي تقوم بعمليات قنص أمام المساجد.
وفي مصراته، عرض الثوار أسلحة غير تقليدية وجدت بحوزة قوات القذافي بعد تحرير المدينة، وذلك بعد انضمام أعداد كبيرة من مدينة بني وليد إلى ثورة 17 شباط. وسرت أنباء نقلها موقع «الجيل» عن توزيع ألف بندقية كلاشنيكوف في مدينة ترهونة على موالين للقذافي.
وحصل «جيل»، على بيان مرئي للثوار في الكفرة (ومن بينهم قاضي قضاة المدينة)، ينفون فيه مزاعم سيف الإسلام القذافي بسيطرة عائلته على المدينة، ويؤكد استيلاء الثوار على طائرة محمّلة بـ 2000 قطعة سلاح، و18 مليون دينار ليبي جرى توزيعها على مصارف الكفرة كرواتب لأهالي المدينة، مؤكدين انحيازهم المبدئي لثورة شباط.
في غضون ذلك، سيطر مسلّحون معارضون للقذافي على بلدة الزاوية الواقعة على بعد نحو 50 كيلومتراً غربي العاصمة طرابلس. وقال رجل يدعى مصطفى، إن سبعة أشخاص قتلوا في أحدث اشتباكات مع قوات الأمن الموالية للقذافي وأصيب كثيرون آخرون في الزاوية. وروى شهود عيان أن المتظاهرين تعرضوا لإطلاق نار من الطائرات المروحية التي استهدفت تجمعاتهم.
وفي السياق، ذكرت صحيفة «الشروق» الجزائرية، أن خميس معمر القذافي حاول تهريب أسلحة ومجوهرات وأموال إلى الجزائر عن ‏طريق سيارة أوقفها أهالي مدينة غدامس على الحدود الجزائرية.
ومنذ اليوم الأول لانتفاضة 17 شباط الليبية، استولى المتظاهرون المناهضون لحكم العقيد معمر القذافي، على كميات هامة من الأسلحة والذخيرة، سواء تلك التي كانت مخزّنة في مواقع كتيبة خميس الأمنية، أو في مقار كتيبة الصاعقة، التي تتسلّح برشاشات «الأربعطاش ونُصّ»، كما يطلق عليها الشباب الليبي، وهي مدافع رشاشة ثقيلة تُحمّل عادة على السيارات والشاحنات الخفيفة، وفيها كثير من المضادات الأرضية، ومدافع ميدانية متوسطة الحجم.
ومع مرور الأيام الثلاثة الأولى وسيطرة المتظاهرين على المنطقة الشرقية بأسرها، سقطت في أيدي الثوار كميات هامة من الأسلحة والذخائر، وخصوصاً بعد انضمام قطعات هامة من الجيش الليبي النظامي إليهم.
وتحتوي مدينة بنغازي وحدها على أربع ثكن كبرى، واحدة لسلاح المدرّعات (وتُعرف باسم ثكنة الفرسان)، وواحدة للدفاع الجوي (وتُعرف باسم قاعدة عمر المختار)، وأكبر قاعدة بحرية، والقاعدة الجويّة المعروفة بمطار بنينة العسكري.
وتتميّز المنطقة الشرقية، المتاخمة لحدود مصر، بوجود عسكري كثيف، بدأ في الظهور والتشكّل منذ سنة 1978، عندما اقتحم الجيش المصري في عهد أنور السادات، الحدود، وهدّد باستباحة ليبيا، كردّ على محاولات القذافي المتكرّرة إسقاط اتفاقية كامب ديفيد. وقد ازداد هذا الوجود العسكري ثقلاً في الثمانينيات والتسعينيات، وخصوصاً بعد إنشاء الكلية العسكرية والأكاديمية البحرية في بنغازي، والمدرسة الحربية للبنات في البيضاء، وأكاديمية الدراسات العسكرية بإجدابيا. كما توجد في درنة، أقرب المدن الليبية للحدود المصرية، مدرسة عسكرية وثكنة مدرعات.
وكان لوصول وزير الداخلية في حكومة القذافي، عبد الفتاح يونس العبيدي، إلى بنغازي وإعلانه الانضمام الى صفوف الثورة، الأثر الكبير والتطوّر النوعي على أداء المتظاهرين، الذين أصبحوا أكثر تنظيماً وأكثر قدرة على استعمال الأسلحة التي وقعت بين أيديهم، وخصوصاً أنهم أعلنوا فتح دورات عسكرية وإعادة استيعاب المئات من المواطنين الراغبين في حمل السلاح. وصار التنظيم العسكري بداية نواة لجيش يستعد للزحف على طرابلس، آخر حصون القذافي والموالين له.
الجدير ذكره أن ليبيا تمتاز منذ بداية سبعينيات القرن الماضي بعسكرة المجتمع، وتبرز هذه الصفة بالخصوص، في المناهج التعليمية، حيث تُخصّص مادة إجبارية للطلاب اسمها التربية العسكرية، ويخضع خلالها كل التلاميذ ذكوراً وإناثاً لدورات تأهيلية في استعمال الأسلحة والدفاع وبعض العلوم العسكرية والتكنولوجية، هذا إضافة الى شرعية حمل السلاح وانتشاره بين المواطنين، إذ لا يخلو بيت في ليبيا من قطعة سلاح أو أكثر.
ويقدّر بعض الخبراء عدد أفراد الجيش الليبي بنحو مئة وخمسة وخمسين ألف جندي، موزّعين على الأسلحة الأربعة، جيش البرّ، والبحرية، والطيران، والدفاع الجوّي. ويتعزّز هذا الجيش بكتائب أمنية وشبه عسكرية عديدة، كاللجان الثورية، وهي عبارة عن ميليشيات حزبية تابعة للقذافي مباشرة، حُلّت في 1996 لكنها عادت إلى الظهور في سنة 2008 وقامت بعرض عسكري في طرابلس وبنغازي بمناسبة ذكرى الفاتح من أيلول (ثورة القذافي عام 1969). وهناك الحرس الشعبي، وهم عبارة عن وحدات أمنية مكلّفة بحراسة المباني والمؤسسات الحكومية، يفتقرون الى الخبرة وتسليحهم بسيط. أمّا الكتائب الأمنية التي يترأسها أبناء القذافي وعددها خمس كتائب، أبرزها كتيبة «الصاعقة» التي يقودها المعتصم والتي أبيدت وتلاشت في بنغازي، وكتيبة خميس التي لا تزال تقاتل في مصراتة وضواحي طرابلس، فلا يُعرف بالضبط عدد المنتسبين إليها ولا حجم تسليحها، لكنها عالية التدريب ومضمونة الولاء. هذا بالإضافة الى حرس الحدود والشرطة وقوات مكافحة الشغب وقوات البادية الموجودة في الجنوب وبعض الكتائب القبلية البعيدة جداً عن العاصمة في أقصى الصحارى الليبية، والتي لم يُعرف حتى الآن موقفها مما يجري.
وتبقى معركة طرابلس بين المتظاهرين، الذين يزحفون عليها من كل الجهات، والكتائب الأمنية المعززة بالحرس الشعبي والشرطة واللجان الثورية وحرس الحدود. وما يُقال إنهم فرق مرتزقة من أفريقيا، هي التي ستحسم مصير الحكم في ليبيا في الأيام القليلة المقبلة.