لم يكن مفاجئاً أن يعلن مصطفى عبد الجليل انسحابه من نظام معمر القذافي، والانتقال إلى صفوف الثوار، مقدّماً نفسه قائداً ومصلحاً ومؤسساً لنظام ما بعد العقيد «الدموي والدكتاتوري»، كاشفاً الملفات السوداء لعهد آل القذافي. فهو لطالما انتقد قمع النظام، لكن ذلك لا يُلغي أنّه خرج من رحم هذا النظام؛ فاوض باسمه وعُين وزيراً للإعلام بناءً على توصيات ابنه، سيف الإسلام القذافي، فكان الوجه الحسن له.

وعن سيرته الشخصية، فإن مصطفى عبد الجليل هو قاض سابق وُلد في مدينة البيضاء بشرق ليبيا عام 1952 ودرس في مدارسها، قبل أن ينتقل في المرحلة الجامعية الى جامعة قاريونس ببنغازي، ثم عاد إلى البيضاء بعد انضمام الجامعة الإسلامية إلى الجامعة الليبية، وتخرج في قسم الشريعة والقانون بكلية اللغة العربية والدراسات الإسلامية بتقدير ممتاز عام 1975.
وبعد تخرجه بثلاثة أشهر، عيّن مساعداً لأمين النيابة العامة في البيضاء، وقاضياً عام 1978، ثم مستشاراً في 1996، قبل أن يترأس محكمة استئناف في 2002، ثم المحكمة البيضاء في 2006. وفي عام 2007، اختارته أمانة مؤتمر الشعب العام في ليبيا أميناً عاماً للجنة الشعبية العامة للعدل (وزير عدل) بناءً على توصيات نجل الزعيم الليبي سيف الإسلام القذافي.
ومع اندلاع الثورة الليبية، كان عبد الجليل أول من أعلن انقلابه على نظام العقيد، والانضمام للثوار، بل وقيادتهم عبر تأليف مجالس محلية في المدن الليبية «بمشورة الشباب وموافقتهم»، إضافة الى مجلس وطني في بنغازي، يضم شخصيات مدنية وعسكرية يسيّرون شؤون كل المناطق المحررة لمدة ثلاثة أشهر، إلى حين إجراء انتخابات ديموقراطية للنواب والرئيس، على أن يؤلّف المجلس الوطني الانتقالي لعموم البلاد بعد سقوط النظام.
وفي ظل احتمالات اندلاع حرب أهلية وتقسيم البلاد، أصرّ عبد الجليل على وحدة البلاد وعاصمتها طرابلس. وقال إن القذافي وحده يتحمل المسؤولية عن كل الجرائم التي وقعت في ليبيا، وإن قبيلته القذاذفة قد صُفح عنها، ورفض أي تدخل أجنبي على قاعدة أن «أي جندي أجنبي يدخل ليبيا سيلقى أسوأ مما يلقاه مرتزقة القذافي».
ونكش عبد الجليل ملفات القذافي الذي «رأى الشيطان فيه»، وقال إنه دأب على سجن كل «من له علاقة بأي تنظيم ،حتى من كان يرتاد المساجد لم يسلم من إجراء الاعتقال، وقبعوا في السجون لسنوات عديدة»، وارتكب بحقهم «إبادة جماعية لم يشهدها التاريخ» بعدما ناهز عدد الموقوفين الذين ماتوا في السجون 1270 قتيلاً، وأنه جنّد المرتزقة من النيجر وتشاد. وكشف أنه يملك الدليل على إعطاء القذافي الأمر بتنفيذ عملية لوكربي، متوعداً بكشف المزيد. ولم يستبعد أن يرتكب القذافي حماقات كاستخدام أسلحة جرثومية ضدّ المتظاهرين إذا شعر بالنهاية، مرجّحاً أن تكون نهايته انتحاراً مثل الزعيم النازي أدولف هتلر.
ويشير سجل القاضي ما قبل الثورة إلى انتقاده القذافي في مناسبات مختلفة، وتمتعه بسمعة جيدة في محاربة الفساد. لقد قدّم استقالته أكثر من مرّة، كانت إحداها احتجاجاً على عدم تنفيذ أحكام القضاء واستمرار الأجهزة الأمنية في اعتقال أكثر من 300 سجين سياسي يقبعون في المعتقلات السياسية بعين زارة وبوسليم، رغم أن محاكم ليبية قضت ببراءتهم. كذلك انتقد تغوّل جهاز الأمن الداخلي في أحكام القضاء، وطالب بإجراء تحقيق في مجزرة سجن أبو سليم عام 1996 التي قيل إنها أدّت إلى مقتل 1200 شخص.
لكن معارضيه يقولون إنه لم تكن هناك إصلاحات حقيقية في عهده بل على العكس. وذكرت تقارير أنه كان يتصل بالمستشارين والقضاة وأعضاء النيابة مباشرة، ويطلب منهم طلبات غير مشروعة بالحبس أو الإفراج أو العقاب أو التبرئة، وأنه كان يزور عائلات ضحايا مجزرة بوسليم ويفاوضهم في قبول تعويض بقيمة 120 ألف دينار، أي أقل من عشر التعويض الذي دفعته الدولة عن ضحايا تفجير ملهى برلين، قبل أن يرفعه الى 200 ألف دينار، وأنّه كان يردّ على من يعترض ويطالب بتعويضات تساوي قيمة تعويضات ضحايا فيروس نقص المناعة (قضية الممرضات البلغاريات) أو لوكربي، قائلاً «اللي عاجبه باهي واللي موش عاجبة يشرب من البحر ويركب أعلى ما في خيله». واشترط ألّا يطالب أحد من الأهالي بأي إجراء كالكشف عن الجناة أو تسليم الجثامين.