القاهرة | تونس | يتفق الزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس المصري المخلوع حسني مبارك على قمع شعبيهما وملاحقة المعارضين، وتتفرّق بهما السبل والأدوات لتحقيق هذا الغرض. أمّا الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بن علي، فقد أدرك جيداً «جنون» العقيد، وتمكن من استمالته بشتى الأساليب، من أجل تحسين شروط التموقع في الجغرافيا السياسية الدولية.

يحلو للكثيرين اعتبار العلاقات بين مبارك والقذافي، منذ نهاية الثمانينيات حتى الآن، تمثل نموذجاً يُحتذى في كيفية تغليب المصالح العليا على ما عداها من هزّات طارئة تكاد تعصف بعلاقات الجوار والتعاون. هناك قنوات «البيزنس» التي تغلبت على كل أسافين السياسة. فالرجلان استغلا مُقدّرات بلديهما وثرواتهما في خدمة أغراضهما الشخصية. إنه النهب ولا شيء آخر.
لا يأتي التشابه بين الرجلين من فراغ. فقد شهدت العلاقات المصرية الليبية هزّات وأزمات طيلة السنوات التي سبقت المصالحة الشهيرة التي حصلت بين القذافي ومبارك، على هامش القمة العربية التي استضافها المغرب عام 1989. تلك الأزمات كانت كفيلة بمنع استمرار التواصل، وكافية لضرب علاقات الجوار بين القاهرة وطرابلس، حيث ظل الطريق بين العاصمتين على الدوام ملغّماً بقنابل موقوتة على هيئة خلافات وملفّات غير قابلة للحل، سواء بفعل توترات داخلية، أو تحت ضغوط خارجية.
وكان أبرز هذه الضغوط عام 1986، عقب هجوم الولايات المتحدة على طرابلس وبنغازي، حيث طلبت واشنطن من القاهرة أن تكون حليفاً في ذلك الهجوم. وقتها استشعرت مصر الخطر على أمنها القومي، فأعلن مبارك أنه لن يخضع للضغوط الأميركية لشنّ هجوم على ليبيا، ما أدى الى ارتياح ليبي.
عقب هذا الارتياح، بدأت تجري من جديد أنهار الصفقات بين البلدين على شكل استثمارات ليبية، أبرزها في قطاع البترول، المنتج الوحيد للجماهيرية، سند القذافي ونقطة قوّته دولياً، عن طريق مهندس العلاقات المصرية الليبية أحمد قذاف الدم.
ولأن دوام الحال بين المستبدين من المحال، جاء الاحتلال العراقي للكويت في الثاني من آب عام 1990 ليضع التحسّن الوليد في العلاقات بين الرجلين محل اختبار صعب. لكن في مراحل التأزّم تأتي المصلحة لتجمع ما فرّقته السياسة. ففي بداية التسعينيات كانت طرابلس تتجه شمالاً وجنوباً وتنفق ببذخ، ناسية أن جارتها مصر تتعرض لأزمات اقتصادية. وهذا ما أغضب القاهرة. وبحلول عام 1993، بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا مطاردة القذافي بعد حادث تفجير طائرة «بان أميركان» فوق «لوكربي» عام 1988، من خلال الترويج أن عناصر من جهاز الاستخبارات الليبي ضالعون في التفجير.
هنا تحرك مبارك محاولاً استخدام نفوذه لدى الإدارة الأميركية، لإقناع واشنطن بعدم اللجوء إلى سلاح العقوبات، وفرض الحظر الجوي على ليبيا، نظراً إلى ما يعنيه ذلك من مشكلات إضافية للأمن القومي المصري، واضطراب العلاقات التجارية والاقتصادية مع ليبيا ودول المغرب العربي.
وقتها خرج قذاف الدم معلناً نية ليبيا ضخ استثمارات ضخمة في مصر، ربما كانت مكافأة على الدور المصري في أزمة لوكربي، وذلك في مجالات البترول وإنشاء سلسلة فنادق ليبية في القاهرة والإسكندرية والأقصر.
لم تكتمل الخطوة، فقد تعرضت العلاقات مجدداً لاختبار صعب في كانون الأول 1993، عندما اختطفت الاستخبارات الليبية وزير الخارجية الأسبق، المعارض الليبي منصور الكيخيا، بينما كان يحضر مؤتمراً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في أحد فنادق العاصمة المصرية، واقتادته إلى ليبيا حيث اختفى أثره.
لكن، بغض النظر، بقيت رؤية مبارك للقذافي أنه منبع للاستفادة. وعلى هذا الأساس قاد الرئيس المخلوع حملة علاقات عامة دولية تهدف إلى إظهار القذافي بموقف المناهض للإرهاب والمناصر لمكافحته، رغم الاتهامات التي كانت واشنطن تروّجها ضد ليبيا في هذا الصدد.
علاقات قامت على الحاجة المصرية في ذلك الوقت إلى الاستثمارات الليبية، والرغبة في الاستفادة من المحور (المصري ـــــ الليبي ـــــ السوداني).
وعلى خط العلاقات بين الزعيم الليبي والرئيس التونسي المخلوع، أسهم انقلاب بن علي، في 1987، في نقل العلاقات الليبية التونسية إلى بر الأمان، بعدما كانت متوترة بين القذافي والحبيب بورقيبة. بن علي الذي أدرك جيداً «جنون» العقيد، وتمكن من استمالته بشتى الأساليب من أجل تحسين التموقع في الجغرافيا السياسية الدولية.
وليبيا المنبوذة في تلك الفترة، بسبب دعمها لعدد من الحركات المسلّحة في العالم ولمطامحها النووية، كانت في أمسّ الحاجة إلى «وسيط» بينها وبين «الغرب»، يبقي شعرة معاوية بين الطرفين. ولا شك في أن دور بن علي في تحقيق المصالحة بين الجانبين كان محورياً. ولم يبخل عليه القذافي بالامتيازات طيلة فترة الحظر الاقتصادي الذي سُلّط على بلده بسبب أزمة «لوكربي». فالحدود بين الجارتين كانت القناة المحورية لتواصل الجماهيرية مع العالم.
إلا أن ربيع العلاقات بين الجانبين لم يكن دائماً صافياً. فمزاجية العقيد القذافي كانت دائماً ما تشوّش روابط البلدين. شخصية مهتزة لا يُخفي بن علي قلقه منها، مثلما كشفته وثائق «ويكيليكس» الاستخبارية، واصفة إياه بـ«غريب الأطوار». فمرة يُغدق على البلاد المال ومرة يحبسه عنها.
لكن هذا لم يمنع القذافي من مساندة بن علي خلال الثورة التونسيّة، ولا سيما أنه كان عرّاب وصوله إلى السلطة منذ كان وزيراً للداخلية. فخلال الثورة، أمر الزعيم الليبي معمر القذافي حكومته بفتح سوق العمل في ليبيا أمام التونسيين من دون قيود، قصد استيعاب الأعداد الغفيرة من العاطلين من العمل، الذين أجّجوا الغضب ضد النظام التونسي. لكن هيهات، لم تُجد تلك القرارات في إطفاء جذوة تمرد التونسيين، وها هي نيران الثورة التونسية لم تتوقف عند حدود «راس الجدير» (معبر حدوي)، وامتدت إلى «راس العزيزية»، لتحسب الأيام الأخيرة قبل أن تلتهم القذافي وعائلته.