صنعاء ــ الأخبار

لا يحتاج الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إلى أن يُمرّر على جهاز كشف الكذب كي يعلم العالم أنه يغش في اللعب. فالناس باتوا يدركون هذا الأمر بمجرد الاستماع إلى نبرة خطابه المميزة. أسلوب قديم رافقه منذ تولّيه السلطة. 32 عاماً من الإطلالات والخطابات من دون أن يصيبه الملل. يبدو أنه لا يعرف، أو لا يريد أن يعرف، أن أولئك الذين يحكمهم قد سئموا منه، وقد أصابتهم بسببه أمراض لا شفاء منها.
تبدو حالة صالح مطابقة لتلك التي ظهر فيها العقيد معمر القذافي في حواره المتلفز الأخير، وهو منفصل عن الواقع، حين راح يؤكد أن «جميع شعبي يحبني». لكن على عكس العقيد، يعرف صالح جيداً أن شعبه لا يحبه، وقد خرج منادياً بإسقاط النظام لا بتغييره فقط. غير أن صالح لا يزال مصرّاً على ممارسة الحيل ذاتها، التي صارت مكشوفة ومفضوحة للعلن، ما يجعله يبدو كلاعب تقدم به العمر وأصبح اعتزاله حتمياً، لكنه يصرّ على الإمعان في التشبّث بالكرسي نفسه. صالح يشبه أيضاً عاشقاً، يعلم الجميع أن حبيبته أدارت ظهرها له، إلا أنه يرفض وحده التصديق.
صالح لا يزال يصرّ على الصعود إلى المنصة لإلقاء خطاب صار مكرراً ومملاً. خطاب ينقل صورة بشعة عنه، وهو يقترب من النهاية. فما يبقى في أذهان الناس هو الصورة الأخيرة بكل تقاسيمها المشبعة بالانكسار الظاهر على وجه صاحبها.
لكن، بعد كل ما يجري حوله ويسير به نحو نهاية وشيكة، ما الذي يريده حقاً كي ينطق بكلمة «فهمت» أو «فهمتكم»، أو أي مفردة أخرى تشير إلى أنه صار مدركاً للوضع الجديد، وخصوصاً بعد تساقط كلّ أوراقه واستقالة أعضاء كثيرين من كتلته البرلمانية من الحزب الحاكم، وإعلانهم أنه لا يشرّفهم الانتماء إلى حزب يعتدي على متظاهرين عُزّل، ويطلق عليهم زوار الليل وأفراد العصابات؟ كلّ هذه الأمور تجري وصالح يصرّ على إنكارها. كأن شيئاً لا يحدث. يجتمع مع من بقي منهم، معلناً ابتهاجه بتخلّص حزب «المؤتمر» من «جماعة المرتزقة والانتهازيين». يستحق صالح فعلاً ألف علامة استفهام وتعجّب حين يتكلم عن تطهير حزبه من «هؤلاء»، كأنه لم يعرف بعد أن «المؤتمر» صار مداناً أخلاقياً، وبات «اقتلاعه من الجذور» مسألة وقت.
قال البعض إن صالح قد يكون مراهناً على أميركا التي أظهرت، في الفترة التي تلت سقوط زين العابدين بن علي وحسني مبارك، رغبة عميقة في الحفاظ على نظام صالح بأي ثمن. لكن بوادر السأم الأميركي منه تسرّبت خلال خطاب جديد له يوم أمس، كان موجهاً إلى أساتذة جامعة صنعاء. صالح هاجم الرئيس باراك أوباما، مستنكراً تدخل الأخير في شؤون الآخرين. وقال «لا أحد يكذب على أحد، كل يوم نسمع تصريحاً لأوباما. مصر لا تفعلي كذا. تونس لا تفعلي هكذا. ما شأن أوباما؟ ما شأنه بعمان؟ ما شأنك بمصر؟ أنت رئيس الولايات المتحدة». ورقة أخرى ذهبت مع الريح إذاً. ولذلك يبدو تشتّت الجمع من حول صالح إيذاناً بأنه سيُترك وحيداً لمصيره. لكن أين حزب الإصلاح الأصولي من كل ما يحصل؟ مع تنحية حميد الأحمر، تحدث الشيخ عبد الله صعتر، في الخطبة التي ألقاها في ساحة التغيير في جامعة صنعاء يوم الجمعة الماضي، عن فك ارتباط الإصلاح بالرئيس. نبرته الحادة وحرصه على استحضار مفردات محددة لا لبس فيها، أظهرا أن الأمر قد بلغ أمده في العلاقة بينهما، علماً بأنهما كانا حليفين في ظروف مشابهة لهذه الأيام، هما اللذان تعاونا للاستيلاء على أرض الجنوب وهزيمة الحزب الاشتراكي اليمني سنة 1994.
لكن البعض أشار إلى أن صعتر لم يمثّل إلا نفسه في ذلك الخطاب، ولم يكن متحدثاً باسم حزب الإصلاح. لكن هذا لا ينفي أن ما قاله عن ضرورة التخلص من الرئيس صالح «لما فيه صلاح الأمة»، كان تعبيراً عن توجه الحزب فعلاً، وهو ما ظهر في خطاب ألقاه محمد المؤيد، أول من أمس، أمام المعتصمين في ساحة التغيير، قائلاً «لا تتزحزحوا قيد أنملة حتى يرحل الظالم. سئمنا الظلم، ولم نحصل إلا على الجوع في زمن هؤلاء الحاكمين، وليس من عادة الحر أن يرضى بالظلم. نريد أن نخلع الظلم من عروقه». وتجدر الإشارة إلى أن المؤيد هو شيخ خرج حديثاً من سجن غوانتنامو الذي قضى فيه ست سنوات. وإذا لم يكن هذا كافياً لإيضاح الصورة تماماً، وهي أنه لم يعد لصالح صديق، فقد يتجلى ذلك من خلال ردّ فعل عبد المجيد الزنداني (رئيس مجلس شورى حزب التجمع اليمني للإصلاح وأحد كبار مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين). فبعد ساعات من لقاء صالح مع جماعة من العلماء انتهى إلى تعكّر الصفو الذي كان بينهم، علم الزنداني أنه جرى حذف فقرات من كلمته في التلفزيون الرسمي، بطريقة تتماشى مع ما يريده دماغ القائد. أمر دفع الزنداني إلى الحديث عبر قناة «سهيل» التابعة لحميد الأحمر، لإعلان ما حدث صراحة. وكان الزنداني نفسه قد وجه حديثاً، مساء أول من أمس، إلى المعتصمين، قال فيه إنه يتمنى لو كان شاباً ليعتصم مع الشباب في الساحة.
يبدو أن صالح صار وحيداً تماماً!