«البحث عن الذرائع للتدخّل العسكري». من الممكن إطلاق هذه التسمية على الحراك الأميركي – البريطاني على هامش الثورة الليبية. حراك طغى بإعلاناته الدبلوماسية وإشاراته العسكرية على المشهد الشعبي داخل الجماهيريّة، الذي يبدو في طريقة إلى مجزرة جديدة مع الحشود التي أعلنتها قوات معمر القذافي والتحذيرات التي أطلقتها للمعارضين، ولا سيما في مدينة الزاوية القريبة من العاصمة طرابلس.


وبعد الإعلان رسميّاً، أول من أمس، عن تحريك القطع البحرية والجويّة الأميركية في محيط الأراضي الليبية، جاء الدور أمس على الممهدات الدبلوماسيّة لاستخدام هذه القطع. ممهدات كان مجلس الشيوخ الأميركي مسرحاً لها، إذ أطلّ قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال جيمس ماتيس، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ليدليا بدلوهما، ويطلقا الإشارات إلى أن الولايات المتحدة وبعض حلفائها، وفي مقدمتهم بريطانيا، لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الأحداث في ليبيا، التي تهدّد بوقف ضخ مليوني برميل يوميّاً من النفط الخام الخالي من الكبريت.
ماتيس أطلق الذريعة الأولى لاستخدام القوّة الأميركية على الأراضي الليبية. ذريعة مستوحاة من القرار الدولي الأخير الرقم 1970، والقاضي بفرض حظر جوي فوق الأراضي الليبية. ورغم أن القرار أُخرج من دائرة استخدام القوة، لم يجد ماتيس وسيلة لتطبيقه إلا بالقوة، إذ رأى أن «فرض منطقة حظر للطيران فوق ليبيا من الناحية العسكرية يمثّل تحدياً للجيش الأميركي». وأضاف أن «ذلك يتطلب أولاً القضاء على قدرات ليبيا في الدفاع الجوي حتى يمكن إقامة منطقة حظر للطيران ستكون عملية عسكرية لا مجرد أمر للناس بألّا يحركوا طائرات في الأجواء».
موقف ماتيس دعمته هيلاري كلينتون التي أكدت، في مجلس الشيوخ أيضاً، «أن جميع الخيارات لحل الأزمة الليبية مطروحة على مائدة المفاوضات، بما في ذلك الضغوط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، لإجبار العقيد القذافي على التنحّي عن منصبه». وزادت ذريعة أخرى لاحتمال التدخل، مشيرة إلى خيارين لا ثالث لهما في ما يتعلق بالأزمة، هما «إما التحوّل إلى ديموقراطية أو تواجه حرباً أهلية طويلة». وبين الخيارين، فإن الولايات المتحدة، «الراعية للإصلاح»، تفضّل الأول، وبالتالي فإن منع الحرب الأهلية قد يتطلّب تحرّكاً سريعاً.
تدخّل مغلّف بدواع إنسانيّة، وهو ما وضحته كلينتون بدعوتها مجلس الشيوخ إلى عدم إجراء خفض كبير للإنفاق على الجهود الدبلوماسية والمساعدات الأجنبية، على الرغم من المخاوف بشأن الدين القومي. وقالت إن «ليبيا مثال على كيفية احتياج الولايات المتحدة إلى أموال للتعامل مع أزمات في الخارج».
بدورها، قالت مبعوثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، سوزان رايس، إن بلادها ستواصل الضغط سياسياً واقتصادياً على الزعيم الليبي إلى أن يتنحّى، بينما ستعمل في الوقت ذاته على إشاعة الاستقرار في أسواق النفط وتجنّب حدوث أزمة إنسانية.
وفي السياق، قال وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، إن «البنتاغون» تنقل سفينتي إنزال برمائي ومئات من مشاة البحرية إلى البحر المتوسط، حيث قد يساعدون في الإجلاء والإغاثة الإنسانية إذا دعت الضرورة.
ممهدات التدخل لم تقتصر على الولايات المتحدة، بل شاركتها فيها بريطانيا، التي يبدو أنها رغم التغيير في الحكم، لم تخرج عن دور التابع للولايات المتحدة. وأفادت شبكة «سكاي نيوز» بأن بريطانيا تدرس فكرة إرسال مقاتلات من طراز «تايفون» إلى قاعدة أكروتيري التابعة لسلاحها الجوي في قبرص لفرض منطقة حظر جوي على ليبيا.
وأضافت الشبكة، نقلاً عن مصادر، أن منطقة حظر الطيران «واحد من عدة خيارات يُخطّط لها حالياً، وتملك بريطانيا احتياطي طوارئ لتغطية احتياجاتها الدفاعية في جزر فوكلاند والمملكة المتحدة، إضافة إلى منطقة ليبية محظورة الطيران».
وكان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قد شدد على أن العالم «لا يمكن أن يقف موقف المتفرج إذا استخدم القذافي القوة العسكرية ضد شعبه»، وكلّف رئيس أركان الدفاع، الجنرال ديفيد ريتشاردز، بوضع خيارات للعمليات العسكرية البريطانية في ليبيا.
تغليف إنساني آخر أوردته صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، التي أشارت إلى أن كاميرون وزعماء غربيين آخرين، اقتربوا من إصدار أوامر باستخدام القوة العسكرية ضد القذافي، «وسط مخاوف من احتمال أن يستخدم أسلحة كيميائية ضد شعبه». وأضافت أن «مصادر بريطانية كشفت أن ليبيا لا تزال تملك مخزونات من غاز الخردل، على الرغم من تعهد نظامها في عام 2003 بالتخلّي عن أسلحة الدمار الشامل، وتعتقد أن القذافي احتفظ بنحو 14 ألف طن من المواد الكيميائية اللازمة لإنتاج غاز الخردل في أماكن سرية في الصحراء الليبية».
وفي مشهد يذكّر بسيناريو الغزو الأميركي – البريطاني للعراق، أعلنت فرنسا رفضها للتدخّل العسكري في ليبيا من دون تفويض واضح من الأمم المتحدة، بحسب ما أعلن وزير الخارجية الجديد آلان جوبيه، فيما أكد المتحدث باسم الحكومة الفرنسيّة، فرانسوا باروان، ضرورة إعطاء «المساعدات الإنسانية الأولوية، لا التحرك العسكري لإطاحة القذافي».
ورغم المواقف الدولية المعارضة، بدت الولايات المتحدة ماضية في خيارها، وتدرس خططه، بحسب ما أعلن مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إذ قال إن «الجيش الأميركي يعدّ مجموعة من الخيارات المحتملة، إلا أنه لم يُتّخذ قرار نهائي بعد في مواجهة الاضطرابات في ليبيا».
وأشار خبراء عسكريون إلى أنه يمكن، في حال اتخاذ الحكومة الأميركية قراراً بالتدخل العسكري في ليبيا، استخدام حاملة الطائرات «يو إس إس إنتربرايز» الموجودة حالياً في مياه البحر الأحمر، وسفينة «يو إس إس كيرسارج» البرمائية التي تحمل أسطولاً من المروحيات ونحو ألفين من جنود مشاة البحرية (المارينز).
الأمر شغل الصحافة الأميركية أيضاً، التي حفلت صفحاتها بتحليلات وقراءات لمسؤولين وخبراء، يبدون تخوّفهم صراحة من أن يؤدّي التدخل الأميركي إلى إجهاض الثورة الليبية. وحذّرت صحيفة «نيويورك تايمز» من «مخاطر واضحة من اشتراك العسكريين في العملية». وأشارت إلى «أن مسؤولين أميركيين يعلنون بطريقة غير رسمية أن الوجود العسكري الأميركي قد يقوّض شرعية الثورة الليبية بوصفها ثورة شعبية، وأن الليبيين، وحتى المواطنين في معظم الدول العربية الذين لا يفضّلون القذافي، قد ينتقدون العمل الأميركي ويعدّونه وسيلة للسيطرة على منابع البترول الليبي».
ويبدو أن التدخّل الدولي، كما تعدّ له الولايات المتحدة وبريطانيا، سيكون خشبة الخلاص للزعيم الليبي الذي يواجه احتجاجات شعبية غير مسبوقة. فقد كان واضحاً في حديثه أول من أمس لمحطة «إيه بي سي» الأميركية، وتساؤله «أين الغرب؟»، أنه حريص على استدراج عمل عسكري غربي يعيد تنظيم الولاءات في الداخل الليبي، ولا سيما أن الشعب الذي يفاخر بمحاربته للاستعمار الإيطالي، لن يرضى بالوقوف متفرّجاً على مشهد اجتياح أميركي.
في هذا الوقت، خرجت موسكو عن صمتها وأعلنت موقفاً واضحاً من الأزمة الليبية. ونقلت وكالة أنباء «إنتر فاكس» الروسية عن مصدر في الكرملين قوله للصحافيين «سننضم إلى العقوبات لأننا نعدّ أفعال السلطات الليبية غير مقبولة». وأشار إلى أن «لروسيا مصالحها في ليبيا، بينها ما يتعلق بالمجال العسكري التقني»، لكنه أضاف «لن نقايض حياة البشر بالأسلحة». ورأى أن القذافي «ميّت سياسيّاً». واستبعد أن تطلق الولايات المتحدة وحلفاؤها عملية عسكرية ضد ليبيا، وقال «لا أظن أن الأميركيين سيقررون القيام بذلك»، واصفاً اقتراح فرض حظر جوي فوق ليبيا بالأمر المعقول.
وعلى وقع الحراك الدولي، أشارت المعلومات الواردة من ليبيا إلى أن القوات الموالية للنظام تستعد لشن هجمات على عدد من المدن في الغرب الليبي التي خرجت عن سيطرتها، وسط تهديدات باستخدام السلاح الجوي، وأنباء عن إغلاق الحدود مع تونس. ونقلت قناة «الجزيرة» الفضائية عن سكان من مدينة نالوت تخوّفهم من هجوم قد تشنّه الكتائب الأمنية الموالية للقذافي، حيث أفادت مصادر محلية بأن قوات عسكرية تطوّق المنطقة الواقعة قرب الحدود التونسية.
وفي مدينة الزاوية غربي العاصمة، أفاد شهود عيان لقناة «الجزيرة» بأن قوات الحكومة تستعد لشن هجوم لاستعادة هذه المدينة الاستراتيجية المهمة. وذكر سكان محليون أن كتائب أمنية يقودها الجنرال خميس معمر القذافي وصلت إلى مشارف البلدة تمهيداً للهجوم عليها. وكان اللواء المهدي العربي قد نقل للمعتصمين في إحدى ساحات مدينة الزاوية تهديداً من القذافي بقصف الساحة بالطائرات الحربية، إن لم يتفرّقوا.
في هذا الوقت، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس، تعليق حقوق عضوية ليبيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية، وذلك التزاماً بالتوصية التي رفعها المجلس الأسبوع الماضي، حيث كان بانتظار تصويت الجمعية العامة.
إلى ذلك، تواصلت أمس عمليات تجميد أموال القذافي وعائلته، حيث كشفت عن ثروات موزّعة في مصارف أوروبا، إذ أعلن المصرف المركزي النمساوي أن فيينا جمّدت أموال عائلة الزعيم الليبي ومساعدين له يخضعون لعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي. وأضاف أن أرصدة ليبية تقارب 1.2 مليار يورو (1.66 مليار دولار) مودعة في مؤسسات نمساوية.
كذلك أعلن وزير المال الألماني، رينر برودرليه، أن بلاده جمّدت أرصدة بقيمة مليوني يورو (2.8 مليون دولار) يملكها أحد أبناء القذافي. وفي إيطاليا، أوردت صحيفة «إل. سولي 24 أوري»، أن حكومة سيلفيو برلوسكوني تدرس تجميد الأصول المملوكة للدولة الليبية لمنع نظام القذافي من التصرف فيها.
وكانت سويسرا قد بادرت الأسبوع الماضي إلى تجميد حسابات محتملة لنظام القذافي، ثم أعلنت واشنطن أنها جمّدت أصولاً ليبية تفوق 30 مليار دولار، وهي أكبر عملية من نوعها في الولايات المتحدة تستهدف أصولاً أجنبية. وأعلنت بريطانيا من جهتها أنها منعت نظام القذافي من سحب 900 مليون جنيه إسترليني (1.4 مليار دولار) الأحد الماضي.
(الأخبار)