صنعاء| مع بداية الأحداث اليمنية، ظهرت المفاجأة لمعظم المراقبين بتخلّي القبيلة اليمنية، ممثلةً بأبرز رموزها، عن الوقوف إلى جانب الرئيس علي عبد الله صالح، بل إعلانها صراحةً الانضمام إلى صوت الشارع والنزول إلى جواره. فتح هذا مساحة جديدة لإعادة التفكير في حقيقة البنية القبلية، وترتيب أمر تموضعها على نحو صحيح في وسط الدائرة الاجتماعية اليمنية.


وهنا لا بد من الحديث عن سبب الإجماع القبلي ضدّ الرئيس علي صالح، والنزول إلى الشارع لمواجهته، حيث يبدو «الداعي القبلي»، أو ما يعُرف بمفهوم النصرة، عاملاً رئيسياً فعّل عملية التضامن القبلي ضدّ الرئيس. بمعنى أن القبيلة المتضرّرة من الحكم تطلب نصرة قبيلة أخرى لإعانتها على إزالته، والقبيلة الأخرى ملزمة بتلبية هذه النصرة الموثقة عبر عهود متعارف عليها. وحين اندلعت الثورة، اتضح أن الظلم لم يفرّق بين مناطق مدنية أو قبلية، على عكس ما كان متداولاً عن أفراد القبائل أنهم مستفيدون كثيراً من وجود الرئيس صالح في سدّة الحكم، عن طريق الهبات والمنح المادية التي يقدّمها إليهم.
وقد ظهر أن صالح كان يتعمّد اصطفاء عناصر معينين من أفراد القبائل الكبيرة، وغالباً ما يكونون من عناصر الصف الثاني، أو من أفراد مغمورين داخل القبيلة، يدعمهم ويقدمهم ويتعامل معهم رسمياً على أنهم ممثّلون لتلك القبيلة.
يفعل هذا مضطراً بسب ممانعة كبار المشايخ، أو كما يقال عنهم «المشايخ الأصليون»، حيث يُعرف الرئيس صالح بينهم بأنه لا يستطيع التعامل إلا مع «نقائص» القبائل، الذين لا يحفظون عهداً ولا يقيمون وزناً لعهد.
وهؤلاء يستطيع استخدامهم لتنفيذ مهمات خاصة لا يقوم بها غيرهم. ومن هذه المهمات زرع حالات الشقاق بين القبائل، وإذكاء نار الخلافات بينهم، بحيث يمكثون أزماناً طويلة في ضجيجها، ما يمنح الحكم فرصة لالتقاط أنفاسه والجلوس هادئاً كي يشاهد الصراعات المتفاقمة أمامه. وأكثر من هذا، كان يعمد إلى دعم قبيلتين متصارعتين من جهتين مختلفتين، بينما لا يكون هو ظاهراً في الصورة.
وعملياً، يمكن إعادة التفكير في تلك النظرية التي تقدّم القبائل على أنّها عناصر مستعدون لتقديم ولائهم لمن ينجح في مدّهم بالمال، في مقابل موافقتهم على تلبية تنفيذ عمليات خارج القانون. وهذه فكرة مغلوطة إلى حدّ كبير، إذ تحكمها أعراف ومواثيق تظهر مدنيتها الكبيرة عند المرور عليها والتدقيق في بنودها.
ويمكن أيضاً ملاحظة أن تعميق تلك الفكرة السيّئة المأخوذة عن القبائل قد بدأ مع تسلّم الرئيس صالح للحكم، وبداية تدخّل المال السعودي لاستمالة رؤوس القبائل أو حتى تحييدهم، وكان هذا عبر طريق الراحل شيخ مشايخ حاشد عبد الله بن حسين الأحمر، أو رجل المملكة الأول في اليمن، الذي لم يكن يخفي ولاءه مطلقاً للسعودية ولأمرائها. ويتضح هذا موثقاً في مذكراته المكتوبة والمذكورة على لسانه.
فمع اغتيال الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، انتهى عهد مدني استمر لمدة أربع سنوات فقط، لكنه كان قادراً على طبع المشهد اليمني بتفاصيل مدنية أزاحت كبريات القبائل اليمنية الموالية للسعودية عنه. لكن بعد رحيل الحمدي، خُطّط لبناء عازل نفسي بين القوى المدنية واليسارية، وعلى وجه الخصوص تلك التي شعرت بهزيمة شخصية لها باغتيال الحمدي، والقبيلة كفكرة.
وعمد الجهاز الأمني إلى فتح سجونه ومعتقلاته لعناصر كثيرين من قوى الحداثة التي كانت تحمل مشروعاً وطنياً جاداً. كان يُقدم في هذه المعتقلات الجلادون بهيئات قبلية عن عمد، وكعناصر ممثلين للقبيلة، يعملون على استخراج حقّها القبلي من أولئك العناصر الموالين للمعسكر الاشتراكي. وأسهمت هذه العملية، على المدى البعيد، في إظهار حالة قطيعة خطيرة بين الطرفين، إلى المستوى الذي تحصل فيه الشتائم عن طريق تلويح كل طرف بهوية الآخر وانتمائه؛ هذا ملحد من وجهة النظر القبلية، والآخر متخلّف من وجهة نظر الأولى. وكان دور الشيخ عبد الله الأحمر هنا استيعاب الأفراد الهاربين من جحيم الأجهزة الأمنية وممارساتها، وتقديم نفسه في هيئة الجدار الحامي لهم. وهكذا ظهرت صورة القبلي على أنه شخص يدين للمال بولائه، ومنه يمتلك القدرة على التحكم وقيادة الآخرين.
وبعد عرض سوء الفهم هذا عن القبيلة، يعطي الحضور الذي يمثله بعض أفراد القبائل من مختلف المناطق اليمنية، المنتمين سواء إلى حاشد أو بكيل أو المناطق الوسطى، في ساحة الحرية في جامعة صنعاء، صورة أخرى مغايرة عن الفكرة الجمعية التي كانت مأخوذة عنهم. ويقدّم الاختلاط وحالة التعايش القائمة الآن بين آلاف الشباب فرصة لإزالة أشكال عديدة من سوء الفهم المتبادل، والناتج من حالة قطيعة آتية من خارج الطرفين: المدني والطرف القبلي.
يستوعب كل طرف الآن، تدريجاً، قتامة الصورة التي كان يحملها عن الثاني، بل يكتشف أنه كان متطرفاً في تبنّيه تلك الفكرة التي كانت في رأسه بخصوص الفرد القبلي. وهي بطبيعة الحال فكرة موروثة عن آبائهم الذين عانوا من تلك الفترة التي عُمّقت فيها القطيعة بين الطرفين، عن طريق إيذاء الطرف المدني. وفوق هذا، يتضح أن الفرد المنتمي إلى القبيلة يحمل تصوّراً لفكرة الأيام المقبلة، تتفوق على مشاريع مدنية عديدة تقدمت بها الأطراف السياسية المدنية البارزة في البلد، ولم تكن لتُعرف ويُكشف عنها لولا اجتماع الطرفين في هذه الساحة التي يحمل جميع من فيها هدفاً واحداً، وهو التخلص من الرئيس صالح.