عمدت الإدارة الأميركية، أمس، إلى تخفيف حدّة لهجتها في ما يخصّ التدخّل الأجنبي، وسط حديث عربي مفاجئ عن إمكان فرض حظر جوي، بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي، في محاولة، ربما، لإضفاء «شرعيّة إقليمية» على المساعدة الخارجيّة، التي عمد بعض الثوّار إلى محاولة استدراجها

عادت التطورات الميدانية لتتصدّر الموقف في ليبيا، أمس، بعد الهجوم المضاد لقوات القذافي على مواقع في الشرق، سبق للثوار أن سيطروا عليها. مشهد لم يوقف الحديث عن التدخّل الأميركي في ليبيا، مع تراجع نغمته قليلاً، وسط حذر من اللجوء إلى فرض الحظر الجوي الذي يفترض «ضربات عسكرية»، بحسب ما أعلن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، في وقت برز فيه موقف عربي خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب أمس، تمثّل بالإيحاء بإمكان تأمين غطاء عربي ـــــ أفريقي لحظر الطيران المفترض.
وعلى وقع التطورات الميدانية، أطلّ الزعيم الليبي في خطاب جديد ليحاكي بعض المخاوف الغربية، مع رميه مسؤولية الأحداث على عاتق تنظيم «القاعدة»، ولا سيما بعدما أبدت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ووزير الصناعة الإيطالي روبرتو ماروني، التخوّف من تحوّل ليبيا إلى «صومال ثانية».
القذافي خرج مجدّداً أمس لاستعراض «شعبيته»، فظهر وسط حشد محدود لمناسبة الذكرى الـ34 لإقامة الجماهيرية في ليبيا (1977)، ليتباهى بضبط الأمور في بلاده وبعدم خروج الشعب الليبي عن طاعته، ويتحدّث عن تحريك «القاعدة» لخلاياه النائمة في ليبيا واتهمه بالتسبب بالأحداث الأخيرة. وفي إصرار واضح على مواصلة المواجهة، أكد القذافي أنه لن يغادر «حتى لو غادرها جميع الليبيين»، وتعهّد بالقتال «حتى آخر رجل وامرأة».
وفيما كانت فصائل الثوار تعلن استرداد مدينة البريقة من كتائب القذافي، كان الأخير يعلن من طرابلس أن سيطرة المسلحين المعارضين على مدن ليبية «لا يمكن أن تستمر ويجب القضاء عليها». الزعيم الليبي الذي بات يلعب على وتر التدخلات الأجنبية في بلاده، والتي قدّمتها له دول الغرب على طبق من فضة من خلال الحديث عن تدخل عسكري وحظر جوي، أكد أنه «لا أحد يسمح بأن تكون في بلاده مجموعات مسلحة ترهب السكان، هذا لا يمكن أن يستمر، ولا بد من القضاء عليه»، مهدداً بأنه «إذا عجزنا عن ذلك بالوسائل السلمية، فلا يجب أن نترك بلادنا على هذا الشكل». وأشار إلى أن «آلاف وآلاف الليبيين سيقتلون في حال حصول تدخّل أجنبي».
وفي إشارة واضحة إلى ضعف الموقف الذي يعيشه النظام الليبي، وعد العقيد بالعفو عن كل من يسلّم سلاحه من الليبيين «الذين غرّر بهم» وشاركوا في الانتفاضة ضد نظامه. وتابع «نرجو من أهلنا هناك أن ينتزعوا السلاح من أولادهم وسنعفو عنهم، أما الذين يحركونهم فلن نسمح لهم بالهرب».
التهديد الرسمي الليبي ذهب أمس إلى حد استخدام ورقة النفط في الأزمة مع الدول الغربية، التي تنوي معاقبة ليبيا، فقد ذكر رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، شكري غانم، أن ليبيا تأمل ألا تصل التوترات مع دول غربية بشأن الانتفاضة الشعبية في البلاد إلى مرحلة تدرس فيها الحكومة الليبية استخدام النفط سلاحاً سياسياً.
وفي موقف غير مسبوق للمعارضة الليبية، أعلن المتحدث باسم ائتلاف 17 شباط، مصطفى غرياني، أن الائتلاف قد يطلب مساعدة أجنبية، وربما ضربات جوية لمواقع استراتيجية تكون بمثابة المسمار الأخير في نعش القذافي. موقف كرّره المتحدث باسم «مجلس الأمن الليبي» المعارض، عبد الحفيظ غوقة، مؤكداً أن المجلس دعا من شرق ليبيا إلى توجيه ضربات جوية تدعمها الأمم المتحدة للمرتزقة الأجانب الذين يستخدمهم العقيد القذافي ضد شعبه، متهماً الجزائر بالتورط في إرسال مرتزقة، قائلاً «إن هناك أدلة على أن حكومة الجزائر مشاركة في هذا أيضاً». إلا أنه عبّر عن معارضته لوجود أي قوات أجنبية في ليبيا. وقال إن هناك فرقاً بين هذا وبين الهجمات الجوية الاستراتيجية.
الولايات المتحدة التي تتحيّن الفرصة المناسبة للتدخل في البلد الغني بالنفط، دخلت مرحلة الاستعداد من خلال عبور السفينتين الحربيتين «يو اس اس كيرسارج» و«يو اس اس بونس» الأميركيتين، قناة السويس ودخولهما البحر المتوسط في اتجاه ليبيا، حسبما أكد مصدر مسؤول في هيئة قناة السويس.
وفي تأكيد لنيّة واشنطن عسكرة الحل في ليبيا، قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، إن فرض حظر للطيران فوق ليبيا سيستلزم هجوماً لشل قدرات الدفاع الجوي الليبية. وأضاف، خلال جلسة برلمانية، «لنسمّ الأشياء بأسمائها. حظر الطيران يبدأ بهجوم على ليبيا لتدمير دفاعاتها الجوية. ثم يمكن فرض حظر للطيران في مختلف أنحاء البلاد دون خوف من أن يتعرض رجالنا لإسقاط طائراتهم».
لكن وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، أعلنت أن الولايات المتحدة «لا تزال بعيدة عن (اتخاذ) قرار» بشأن إقامة منطقة حظر جوي في ليبيا، داعية الى توخّي الحذر. وقالت رداً على سؤال في مجلس الشيوخ «هناك الكثير من الحذر بالنسبة الى الأعمال التي يمكن أن نقوم بها في مجالات أخرى غير تقديم الدعم للمهمات الإنسانية». وفي ما يوحي بحيرة تعانيها السياسة الأميركية تجاه ليبيا، شددت كلينتون على أن المخرج للأزمة الليبية لا يزال غير واضح. وأبدت مخاوف من انزلاق الوضع إلى الفوضى وتحول ليبيا إلى «صومال كبير».
وكان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، جون كيري، قد أعلن أن على المجتمع الدولي الاستعداد لفرض منطقة لحظر الطيران فوق ليبيا لمنع الهجمات التي يشنها الزعيم الليبي على المدنيين. وأضاف، في بدء جلسة للجنة تتضمن شهادة كلينتون، «إن فرض حظر للطيران ليس اقتراحاً للأجل الطويل... وأعتقد أن علينا أن نكون مستعدين لفرضه بحسب الضرورة».
في المقابل، كرّر وزير الخارجية الفرنسية، آلان جوبيه، رفض فرنسا أي عمل عسكري في ليبيا، معرباً عن تخوفه من ردود فعل عربية مناهضة لأي تدخل محتمل من هذا النوع. وقال جوبيه أمام الجمعية الوطنية الفرنسية «هل علينا أن نعدّ لتدخل عسكري؟ في الظروف الحالية، لا نعتقد ذلك».
من جهته، حذر وزير الصناعة الإيطالي، روبرتو ماروني، من إمكان تسلل تنظيم «القاعدة» إلى ليبيا، في ظل الظروف الراهنة، معرباً عن قلقه من أنه إذا لم تتغير السيناريوات الحالية، فقد تتحول الأمور لتشبه الأوضاع الأفغانية أو الصومالية.
ونقلت وكالة «آكي» الإيطالية للأنباء عن ماروني قوله، في مداخلة أمام لجنة الشؤون الخارجية المشتركة في مجلسَي الشيوخ والنواب لمناقشة الوضع في شمال أفريقيا، إن «هناك إمكاناً واحتمالاً حقيقياً بأن يقوم القذافي بمحاولة أخيرة يائسة لتحرير نفسه من الحصار الذي يجد نفسه فيه»، وإنه في الوقت الراهن ليس هناك خطر فوري على إمدادات النفط والغاز الى إيطاليا.
وفي ما يتعلق بالوضع الميداني الذي تعيشه المدن الليبية، والذي وصفه الأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، بـ«المأسوي»، أعاد الثوار الليبيون أمس سيطرتهم على مرسى البريقة في شرق ليبيا. وذكرت تقارير صحافية ليبية أن 24 شخصاً قتلوا أمس في مواجهات بين مؤيدي الزعيم الليبي ومعارضيه في منطقة البريقة.
وقال الموقع الإلكتروني لصحيفة «يوسبريدس» (قورينا سابقاً) إن طائرات القذافي قصفت بالرشاشات منطقة البريقة، ما «أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وجرح آخرين». ونقل الموقع عن أحد الشهود في البريقة قوله في اتصال هاتفي «إن عدد القتلى الذين سقطوا في المنطقة المحيطة بجامعة النجم الساطع وصل إلى 15». بدوره، نقل موقع صحيفة «ليبيا اليوم» عن شهود في مدينة البريقة النفطية، قولهم إن أكثر من 20 سيارة محمّلة بالجنود الموالين للقذافي هاجموا المدينة عند الساعة السادسة والنصف صباح أمس، واقتحموا بوابة شركة سرت النفطية، واشتبكوا مع مجموعة من حرس المنشآت، فقتل أحد الحراس وجرح آخر، ثم اتجهت السيارات إلى مطار البريقة، والميناء. وأضافوا إن مجموعة من الثوار وصلت بعد نحو ساعتين من مدينة أجدابيا واشتبكت مع جنود القذافي. وسرعان ما لاذت مجموعة القذافي بالفرار، لكن شرقاً باتجاه أجدابيا، ولاحقهم الثوار إلى مقر جامعة النجم الساطع التي تبعد نحو 18 كيلومتراً شرقي البريقة، ودخلت مجموعات القذافي إلى مبنى الجامعة، ومبانيها السكنية، وترجّلوا من سياراتهم وحاصرهم ثوار مدينة أجدابيا هناك».
من جهة أخرى، نقلت «يوسبريدس» عن مصدر طبي في مستشفى البريقة أن أربعة أشخاص قتلوا، أمس، في مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن التابعة للقذافي. وأضاف إن المتظاهرين المطالبين بإسقاط نظام القذافي تلقّوا إمدادات تمثّلت في الرجال والعتاد الحربي الخفيف من أهالي أجدابيا. وقال الشاهد إن قوات القذافي تتمركز في المنطقة الواقعة ما بين المنطقة السكنية والمصانع على الطريق الساحلي، مشيراً الى أن هذه القوات تمتلك سيارات مجهّزة بسلاح مضاد للطيران، وتستهدف الثوار الذين يتجهون نحوها. وأضاف إن «عدد الثوار يبلغ نحو 3000 شخص ويعتبرون عزّلاً في مواجهة نحو 150 من جنود الكتائب الأمنية المدججين بالأسلحة الثقيلة».
وتوجد في مرسى البريقة عدة مصانع، هي: مصنع الغاز ومصنع الأمونيا الأول والميثانول ومصنع سماد اليوريا، إضافة إلى محطة ضغط الغاز المتوجه إلى بنغازي وطرابلس، وعدة منشآت أخرى مثل مطار البريقة الذي يسيّر رحلات يومية إلى طرابلس والحقول التابعة لشركة سرت، وكذلك إلى الميناء التجاري والميناء النفطي.
في هذا الوقت، أعلن المتحدث باسم الرابطة الليبية لحقوق الإنسان في باريس، علي زيدان، أن ستة آلاف قتيل سقطوا منذ بدء الانتفاضة في ليبيا، بينهم ثلاثة آلاف في طرابلس.
وقالت المحكمة الجنائية الدولية إن المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو، سيعلن فتح تحقيق في أعمال العنف في ليبيا وأسماء الأشخاص والكيانات التي يمكن أن تخضع للملاحقة، بعد قرار صدر عن مجلس الأمن الدولي الأحد الماضي، قضى بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية. وقالت المحكمة، في بيان، إن المدعي العام سيعقد اليوم مؤتمراً صحافياً في لاهاي يقدم فيه «لمحة عامة عن مزاعم الجرائم المرتكبة في ليبيا منذ 15 شباط 2011 ».
من جهة ثانية، قال تقرير إسرائيلي إن أولاد الزعيم الليبي معمر القذافي، يطالبون والدهم بالتنحي عن الحكم في أعقاب الثورة الليبية والرحيل إلى نيكاراغوا. ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مقربين من عائلة القذافي موجودين خارج ليبيا قولهم، إن أبناء القذافي حصلوا على موافقة رئيس نيكاراغوا مانويل أورتيغا، المدعوم من الولايات المتحدة، على منح القذافي وعائلته لجوءاً سياسياً.
الى ذلك، انضمّت مدريد الى غيرها من العواصم بتجميد أرصدة الزعيم الليبي وأفراد عائلته، وأعلنت الحكومة الإسبانية أمس، أنها جمدت كلّ الأصول التي يملكها نظام القذافي، كجزء من العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على النظام الليبي.
(الأخبار، يو بي آي، رويترز)