كرّ وفرّ على مدى أيام شهدتهما المناطق الشرقية التي يسيطر عليها الثوار، وتحديداً أجدابيا ومرسى البريقة. منطقتان ستتصدران العناوين في الأيام المقبلة، مع الرغبة الجامحة لنظام القذافي في تسجيل نقاط على حساب الثوار، واستعادة، على الأقل واحدة، من هاتين المنطقتين، اللتين تعدان من النقاط الاستراتيجية البالغة الأهمية لحسم المعركة.

هذا ما ذكرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، التي أشارت إلى أن هاتين المنطقتين ستكونان العنوان الأبرز لمواجهات الأيام المقبلة بسبب الموقع الجيوبوليتيكي للمنطقة. أهالي أجدابيا قالوا إنها مثل «برميل بارود.
أجدابيا هي المحور الذي يتحكم بالطرقات الرئيسية التي توصل إلى شرق ليبيا وإلى جنوبها».
وتقع البريقة على خليج سرت، على مسافة 240 كيلومتراً إلى الغرب من بنغازي، النقطة المتوسطية الأبعد لجهة الجنوب، فيما تبعد عن مقاطعة أجدابيا نحو 75 كيلومتراً. البريقة هي أيضاً جزء من اسم مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها سبعة آلاف نسمة، شُيِّدت قبل 10 سنوات لإيواء عمّال المجمّع الغازي الكبير المجاور، لتكون منتجعاً ساحلياً على البحر. لذلك تسمى مرسى البريقة.
وهي ليست المرة الأولى التي تكون فيها المدينة «النفطية» نقطة ساخنة للمواجهات المفصلية؛ فقد وقعت فيها معركة أساسية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد نجح ثوارها في التصدي لقوات القذافي عندما حاولت استعادة السيطرة عليها قبل يومين، كذلك منعوا مرتزقة العقيد الليبي من السيطرة على مطارها الحيوي حيث تسير رحلات يومية إلى طرابلس. وتضم المدينة مصافي التكرير الخاصة بشركة «سرت» النفطية المملوكة من الشركة الوطنية
للنفط.
أما أجدابيا، فهي مقاطعة صحراوية تقع شمال شرق ليبيا على الطريق الساحلي على بعد نحو 160 كيلومتراً جنوبي مدينة بنغازي. وهي منطقة عبور وليست مدينة رئيسية في ليبيا، لكنها تقع على عدة طرق رئيسية هي الساحلي وطبرق ـ أجدابيا وأجدابيا ـ الكفرة.
كانت عبارة عن مركز حربي في العصر الروماني، بلغت أوج ازدهارها وأهميتها الإقليمية في القرن العاشر الميلادي، بسبب أهمية موقعها عند مفترق الطريق الساحلي، وطرق القوافل الممتدة عبر الصحراء، الذي أمن طرق التجارة بين مصر والمغرب، لذلك انفردت بمجموعة مهمة من الآثار التاريخية.
وفي عام 1920 اتخذ منها الأمير إدريس السنوسي عاصمة للإمارة ومركزاً لقيادته بسبب موقعها الاستراتيجي وقربها من البريقة ووقوعها في منتصف قاعدة مثلث، رأسه في الكفرة وقاعدته النوفلية والجبل الأخضر، كذلك فإنها تمثل الامتداد الطبيعي لواحات جالوا وأوجلة، جخرة، والكفرة، إضافة إلى ميزة قربها من طرابلس. وهي موطن لمعظم القبائل التي كانت تؤيد الحركة السنوسية. ويبلغ عدد سكانها نحو 108 آلاف نسمة.
وبحسب «الفيغارو»، ونقلاً عن ثوار وشهود، فإن قوات القذافي من خلال هجومها على منطقة البريقة قبل يومين، كانت تهدف إلى تدمير معامل النفط، التي توفر لمحطات الوقود وللمعامل الكهربائية والتي تمدّ مدينة بنغازي وجوارها كله بالكهرباء، ومن دون هذا المجمّع، فإن المنطقة كلها ستصبح بلا كهرباء.
وهدفت قوات القذافي أيضاً إلى استعادة السيطرة على مفاعل شركة سرت للنفط على خليج سرت، الذي يقع بين بنغازي وطرابلس، فيما استهدفت الغارات الجوية التي شنتها على أجدابيا مخزناً ذخيرة كبيرة تحت الأرض.
ورغم أن «راس لانوف»، التي تبعد نحو 600 كيلومتر شرقي طرابلس، تعدُّ محور خطوط أنابيب رئيسية، وكانت قوات القذافي تسيطر على قسم كبير منها، قبل أن ينجح الثوار أمس في السيطرة عليها، إلا أن المحور الأهم هو محور البريقة وأجدابيا، ولا سيما أن قوات العقيد فقدت السيطرة على مصراتة الواقعة بين طرابلس وسرت وغريان، لكنه لا يزال يمسك قاعدة صواريخ غريان في الجبال.
وبينما أظهر بعض الثوار في البريقة وأجدابيا حماسةً لشنّ هجوم أطلسي على سرت وطرابلس لضرب معاقل القذافي، رأى ثوار آخرون أن دخول أي قوات للأطلسي إلى ليبيا «سيحولها إلى بركة دماء»، وأكدوا أنهم يستطيعون تولي أمر القذافي بأنفسهم «العراق وفلسطين والصومال لن تكون شيئاً مقارنة بليبيا».
وفي شوارع أجدابيا، تمترس الثوار وراء أسلحة سوفياتية كانوا قد سيطروا عليها، ومن ضمنها أسلحة رشاشة دوشكا المضادة للطائرات وبراغاس أم 59 ومدافع «هاوتزر» وقذائف الهاون وبنادق الكلاشنيكوف ودبابات تي55، إضافة إلى بنادق مزدوجة الماسورة وقنابل يدوية وصواريخ أرض جو و«آر بي جي» وكثير من
الذخيرة.
وبواسطة شاحنات «بيك أب ميتسوبيشي» وسيارات «تويوتا لاند روكرز»، التي استولى عليها الثوار من الحكومة مزودة بمدافع رشاشة ثقيلة في ما يشبه التكتيكات الصومالية، تُنقل كميات ضخمة من الذخيرة التي استولى عليها الثوار من مخازن الجيش الليبي إلى الجبهة. وتوضع منصات تحمل قاذفات مضادة للطائرات للدفاع عن سماء الصحراء الشمالية، في حال اقتراب أو هجوم طائرات القذافي ومروحياته.
مجموعة أخرى من الشباب الثوار في أجدابيا تتقدّم حاملةً قذيفة هاون إسرائيلية الصنع، إضافة إلى دفعة من القذائف الروسية الصنع. قالوا إن هذه القذيفة تحمل رسم لنجمة داوود، وهي دليل على تواطؤ القذافي مع وسطاء الأسلحة الإسرائيلية (كانت تقارير وزارة الدفاع قد تحدثت في 2008 عن أن وزارة الدفاع الإسرائيلية وافقت على بيع أسلحة لعدة دول عربية، مثل ليبيا والعراق واليمن) وشهادة على بيعه الشعب الليبي من أجل المال والسلطة.
وهؤلاء يهيئون بديلاً آخر إن نفدت الذخيرة منهم، استعداداً للمعارك المقبلة، فيقوم بعضهم بإعداد خليط من قنابل المولوتوف وزجاجات البنزين، لاستخدامها في صد هجوم قوات القذافي الذي يصفونه بـ«دراكولا» لأنه امتص دم
الشعب.
(الأخبار)