قالها الزعيم الليبي معمر القذافي متأخراً: «عام 1969 وفي أوائل السبعينيات، لم نفكر في مسألة أين قد نستخدم القنبلة النووية أو ضد من. الأهم من كل ذلك بالنسبة إلينا كان بناء قنبلة نووية». هذا الحلم الذي راود العقيد لسنوات طوال، وتأرجح بين التحقّق وعدمه، ظلّ سراً يتبادله النظام الليبي مع عدد من العلماء والمتخصصين والشركات، وربما الدول، من دون أن يعترف به جهراً. لكن كان لا بد للاعتراف من أن يتحقق، وخصوصاً حين يكون النظام الليبي من «عاقدي الصفقات».


ومع إعلان القذافي استعداده للتخلّي عن برنامجه النووي، كانت بعض الصحف الغربية تكتب عن حجم هذا المشروع. ففي كانون الأول عام 2003، كشفت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية أن «برنامج إنتاج أسلحة الدمار الشامل في ليبيا كان متقدماً ومتطوراً أكثر مما كان يتصوره الغرب»، مضيفة أن «تطوّر برنامج إنتاج هذه الأسلحة كان أكبر مفاجأة لرجال الاستخبارات الغربيين». ونقلت الصحيفة عن الخبير العسكري، جون ألدريدج، قوله إن خبراء أميركيين يعتقدون أنه كان باستطاعة ليبيا صنع قنبلة نووية بحلول عام 2005.
المضمون نفسه كان في تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، التي كشفت في الرابع من تشرين الأول 2008 أن الخبراء الأميركيين والبريطانيين الذين زاروا مختبرات الأسلحة الليبية ومستودعاتها، دُهشوا لوجود برنامج متقدم للأسلحة النووية وجهود جبارة لبناء صواريخ خطيرة وقوية، وأن ليبيا بذلت جهوداً حقيقية للحصول على معدّات متقدمة لتخصيب اليورانيوم وتيسير استخداماته النووية. ولاحظ المسؤولون وجود أجهزة طرد مركزي وآلاف الأجزاء الضرورية المتعلقة بها. لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، فقد باتت طرابلس تمتلك غاز الخردل، فيما أجرت تجارب على غاز الأعصاب وتحديداً السارين والسومان.
لم يكن طموح القذافي النووي مجرّد نزوة. العقيد أراد أن يجعل من ليبيا دولة نووية منذ ما بعد ثورة الفاتح من أيلول (1969)، حين أعلن نشوء الجمهورية العربية الليبية. كان «شغفه النووي» كبيراً إلى حد بعيد. أراد ثقل ليبيا نووياً لتنافس مصر على الزعامة العربية.
هذه الرغبة التي تحوّلت إلى خطة، كانت تفقد الكثير من زخمها يوماً بعد يوم، بعدما خضعت لموجات من المدّ والجزر. إذ لا يمكن الحديث عن المشروع النووي الليبي بما هو حالة بحد ذاتها بعيداً عن العلاقة التي جمعت ليبيا بالولايات المتحدة خصوصاً، والغرب عموماً. وكان للعقوبات التي فرضتها هذه الجهات على ليبيا دور أكثر من رئيسي في تراجع الجماهيرية عن مشروعها.
العلاقة بين طرابلس وواشنطن قطعت عام 1979، رغم عدم إعلان ذلك رسمياً، إثر تخريب السفارة الأميركيّة في ليبيا، ولم تستأنف إلا في الخامس عشر من أيار عام 2006، حين أعلنت ليبيا تخلّيها عن أسلحة الدمار الشامل.
عام 1981، أغلقت الخارجية الأميركية المكتب الشعبي العربي الليبي في واشنطن، بعد اتهام أعضائه بما سمّته «نمطاً عاماً من السلوك غير مقبول، يضاف إليه القلق من استمرار ما تقوم به ليبيا من استفزازات وسلوك غير سويّ على نطاق واسع، بما في ذلك دعم الإرهاب الدولي والحركات المنافية للأعراف الدبلوماسية لأعضاء المكتب». وخلال هذه الفترة، وضعت الولايات المتحدة ليبيا في خانة المموّل الرئيسي للعمليات الإرهابية، بينها تفجير ملهى «لا بيل» في برلين الذي أودى بحياة عسكري أميركي، فما كان من واشنطن إلا أن شنّت غارات جوية على هذا البلد عام 1986. كذلك حمّلت واشنطن طرابلس مسؤولية تفجير طائرة «بان أميركان» فوق اسكتلندا عام 1988.
منذ ذلك الوقت، بدأت الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً على ليبيا، نضجت لتتحول إلى عقوبات اقتصادية فرضها مجلس الأمن، واستمرت أكثر من عقد ونيّف. خلال هذه الفترة، كان النقاش داخل أروقة النظام الليبي حيال المشروع النووي متأرجحاً. في منتصف الثمانينيات، على خلفية القصف الأميركي لطرابلس، مثّلت المخاوف المتعلقة بالأمن القومي حافزاً قوياً للدفع بالمشروع النووي قدماً، وخصوصاً أن القوات الليبية كانت عاجزة عن الدفاع عن العاصمة وحمايتها.
تغيّر الوضع في التسعينيات. دار جدل بين صناع القرار حول أهمية امتلاك ليبيا للأسلحة النووية. وقال مسؤول ليبي رفيع المستوى إن «النقاشات أفضت إلى أن السلاح النووي ليس مفيداً لحاجات ليبيا الاستراتيجية، بغياب قوة عسكرية تقليدية». ازداد الوضع سوءاً عام 1992، حين فرضت الأمم المتحدة عقوبات على ليبيا لاتهامها بتفجير الطائرة فوق بلدة لوكربي عام 1988. ويقول مصدر مقرّب من القذافي إن ليبيا كانت خائفة من أن تتحول إلى الهدف الرئيس للولايات المتحدة في المنطقة.
التأرجح الليبي في هذه الفترة رافقه شراء مكوّنات لجهاز طرد مركزي بسيط. ففي التسعينيات من القرن الماضي، باشر النظام الليبي شراء هذه المكونات. وبعد الحصول على أجزاء لنحو 100 جهاز، قرر الليبيون التحول إلى استخدام تصميمات أكثر تقدماً لأجهزة الطرد المركزي، وعملوا على تشغيل علماء ليبيين وعرب ومسلمين في برنامجها. وأقيمت نقاط أبحاث في عدة أماكن أهمها نقطة تاجوراء.
إلى أن ضاقت ليبيا ذرعاً بالعقوبات التي فرضت عليها. ضيق ترافق مع تغيرات عالمية تمثلت بأحداث 11 أيلول وإطلاق الولايات المتحدة حربها على الإرهاب، تلاها حديث خلف الكواليس السياسية والدبلوماسية عن استعداد أميركي لشنّ حرب على العراق بسبب امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. وشهد هذا الوقت ليونة ليبية نحو الغرب. وبدا واضحاً استعداد الأخير لعقد صفقة شاملة مع ليبيا «الإرهابية». على سبيل المثال، كان لرئيس الاستخبارات الليبية موسى كوسى دور رئيسي في المحادثات، علماً بأن الاستخبارات البريطانية صنّفته من بين المتآمرين في لوكربي!
وكان المسؤولون الأميركيون على يقين أن القذافي لا يريد فقط أن يفتح الباب أمام الاستثمارات الأميركية، بل يسعي أيضاً إلى تحسين صورته وإرثه، ليمهّد الطريق أمام أبنائه من بعده. وقال ابنه سيف الإسلام إن ليبيا لا ترى ضرورة «لاقتناء الأسلحة النووية بعد اليوم. الهدف الأصلي لليبيا كان تطوير إمكانات نووية للاستخدام السلمي، لكننا نعرف أن من السهل تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع تسلّحي».
في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تعرفان أن ليبيا بدأت، رغم إنكارها، بتصنيع أسلحة كيماوية. عرفتا أيضاً أن شبكة العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان كانت قد جهزت ليبيا ببرامج تمكّنها من صنع قنابل نووية.
ولا يخفى على أحد أنه كان للولايات المتحدة رغبة أيضاً في إنجاز هذه الصفقة، لإخبار العالم بنجاحها في تفكيك أسلحة دمار شامل في أحد البلدان العربية، بالتوازي مع حربها على العراق. تضاف إلى ذلك أهمية ليبيا بالنسبة إلى واشنطن، لغناها بالنفط والغاز.
الصفقة كانت شاملة إذاً. خرجت ليبيا منها من دون عقوبات، فيما تدفّقت الشركات النفطية عليها. نجحت معادلة النفط مقابل العقوبات. وتغير «تاكتيك» ليبيا، هي التي أرادت أن تكون دولة نووية أسوة بإسرائيل في المنطقة، ومواجهة النفوذ المصري، وحجز مكان لها على الصعيد الدولي. لكن تغيرات المعطيات الدوليّة فرضت نفسها، بدءاً باتفاقية السلام التي وقّعتها مصر مع إسرائيل، مروراً بضعف القدرات العسكرية الليبية التقليدية، وليس انتهاءً بالعقوبات التي فرضت على ليبيا، وخوفها من أن تتحوّل إلى عراق ثان.
هكذا خُتم المشروع النووي الليبي بالشمع الأحمر الدولي، وتحوّلت ليبيا إلى حليف سياسي واقتصادي للغرب، بمباركة قذافيّة.




رسائل إلكترونية!

مع بدء تفكيك المشروع النووي الليبي، قالت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية إن ليبيا حصلت على طريقة صنع القنبلة النووية بواسطة الرسائل الإلكترونية، وهذا يثير القلق الشديد حول انتشار هذه المعلومات الحساسة عن طريق «الإنترنت». ونقلت عن التقرير، الذي وضعه رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة في حينه، محمد البرادعي، إن «ليبيا وصلت للبرنامج النووي الخاص بها عن طريق عمليات التسويق السرية للعالم النووي الباكستاني محمد عبد القدير خان (الصورة)».
وقال التقرير الذي استغرق إعداده أربعة أعوام، إن ليبيا اتخذت إجراءات محدّدة لبناء معمل لإعادة تصنيع البلوتونيوم وفقاً لتصميم ألماني، وهو بديل لبناء قنبلة باستخدام طريقة تخصيب اليورانيوم، التصميم الذي زوّد عبد القدير ليبيا به.