ليس خافياً أن ليبيا حاولت امتلاك برنامج نووي عسكري وسارت في هذا الاتجاه، لكنها لم تكمله، إذ كان للتحولات العسكرية والسياسية التي عصفت بالشرق الأوسط خلال العقد الأخير دور كبير في تخويف الزعيم الليبي معمر القذافي، ليتّخذ إجراءاته الاستباقية الشهيرة وتسليم ما لديه من مواد يمكن استخدامها في المجال النووي وصنع أسلحة غير تقليدية. كذلك لم يعد خافياً الدور الكوري الشمالي، إلى جانب الأدوار الصينية والروسية والباكستانية، في تمكين ليبيا سابقاً من الحصول على موادّ نووية.

لقد كان قرار القذافي في عام 2003، التخلّي عن أسلحته غير التقليدية وتجميد برنامجه النووي والسماح للمفتشين الدوليين بالتأكد من ذلك، انعطافة مهمّة في السياسة الليبية نقلت «الهضبة الأفريقية» إلى موقع آخر. موقع باتت معه طرابلس تفكّر في برامج نووية سلمية لتوليد الطاقة وتحلية المياه، فاتجهت الى دول عديدة، بينها كوريا الجنوبية التي تعدّ نقيضاً لكوريا الشمالية؛ الأولى متطوّرة على المستوى التسليحي والنووي والثانية متقدّمة تكنولوجياً وصناعياً.
وتنقل «واشنطن بوست» عن مسؤول عسكري أميركي قوله إن بيونغ يانغ ساعدت طرابلس على تطوير صواريخ قادرة على قطع مسافة 500 ميل. وساد اقتناع بأن ليبيا كانت الهدف من شحن تكنولوجيا متعلّقة بالصواريخ على ظهر السفينة الكورية الشمالية «كولسان»، التي فتشها ضباط جمارك هنود سنة 1999 في ميناء كاندلا. وكانت السفينة تحمل مئات من العناصر المكوّنة للصواريخ ومكائن ومخططات تفصيلية لصواريخ «سكود بي» و«سكود سي».
وفي أكثر من مناسبة وتقرير، أكّد مسؤولو استخبارات غربية وخبراء في حظر الانتشار النووي، أن ليبيا تلقّت مساعدات عسكرية كورية شمالية. ففي 11 آب 2000، اتهمت الولايات المتحدة كلّاً من روسيا والصين وكوريا الشمالية بتوفير برامج تكنولوجيا الصواريخ إلى كل من إيران وباكستان وليبيا. وقال تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) إن كوريا الشمالية صدّرت معدّات ومكوّنات وخبرة تقنية لها علاقة بالصواريخ الى دول في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشمال أفريقيا.
ولعل قصّة البرناج العسكري غير التقليدي لطرابلس الغرب بدأت في سبعينيات القرن الماضي، حين عقدت ليبيا اتفاقية تعاون مع الأرجنتين من أجل تشييد مفاعل نووي تجريبي. لكن الأرجنتين فسخت العقد تحت الضغط الأميركي، فلجأت ليبيا الى روسيا، حيث وقّعت اتفاقاً ينص على إمدادها بمفاعل تجريبي وبناء عدد من المعامل النووية في منطقة تاجوراء شرقي طرابلس. وبلغت قيمة تلك الصفقة أربعمئة‏ مليون دولار.
وتردّدت أنباء بأن ليبيا كانت تموّل البرنامج الباكستاني على أمل الحصول على إحدى القنابل الذرية من إسلام آباد، استناداً إلى اتفاق شرفي بين الزعيمين ذو الفقار علي بوتو والقذافي. لكن إطاحة الرئيس بوتو قضت على هذا الاتفاق.
وعلى مستوى الخطوات العملية، أسست ليبيا عام 1975 «مفوضية الطاقة الذرية» لتشرف على تطوير برنامجها النووي الواعد. وكان أول الغيث توقيع اتفاق مع فرنسا في عام 1976، لتمدّها بمفاعل نووي تبلغ طاقته 66 ميغاوات. كذلك وقّعت طرابلس في عام 1977، أثناء زيارة العقيد القذافي للاتحاد السوفياتي السابق، اتفاقية تضمنت بنداً ينصّ على تعهد الاتحاد السوفياتي بمدّ ليبيا بمفاعل نووي يستعمل للأغراض السلمية، طاقته 44 ميغاوات، وهو مفاعل مزدوج الأداء يمكن استعماله في تحلية مياه البحر إلى جانب استخدامه في توليد الكهرباء.
لكن لحظة الجنوح الى السلم والتخلّي عن «معاندة» المجتمع الدولي، أتت في التاسع عشر من شهر كانون الثاني 2003، حين أعلنت ليبيا على لسان وزير خارجيتها آنذاك، عبد الرحمن شلقم، تخلّيها طواعية عن برامج أسلحة الدمار الشامل المحظورة دولياً.
وبعد شهرين من القرار الليبي، تسلّمت واشنطن من طرابلس ما يزيد على ألف طن من المعدّات الخاصة ببرنامج نووي، وخمسة صواريخ «سكود» بعيدة المدى كانت ليبيا قد اشترتها من كوريا الشمالية.
أمّا في ما يتعلّق بالعلاقة بين طرابلس وسيول، فقد وجدت ليبيا في التعاون مع كوريا الجنوبية، الحليف القوي للولايات المتحدة، فرصة لتحسين صورتها في الغرب، فاستبدلت تعاونها مع سيول، من خلال برنامج نووي سلمي، بتعاونها السابق مع بيونغ يانغ في المجال العسكري. وحتى الشهر الماضي كانت المفاوضات بين كوريا الجنوبية وليبيا تسير في اتجاه تحقيق هذا التعاون، رغم الأزمة التي عصفت بالعلاقات بين البلدين منذ عام 2009، حين طردت السلطات الليبية مسؤولين من الاستخبارات الكورية الجنوبية، بعدما اتّهمتهم بالتجسس على أعضاء في الحكومة الليبية.
وعلى ما يبدو، فإن حل هذه الأزمة أعاد عجلة التعاون النووي بين سيول وطرابلس. بيد أن كوريا الجنوبية، التي ربطت مصالحها بمصالح الولايات المتحدة منذ وقوف الأخيرة إلى جانبها في الحرب الكورية (1950-1953)، أبت إتمام هذا التعاون مع الجماهيرية من دون مباركة أميركيّة.
فتحت عنوان «سيول تتابع مشروع نووي سلمي مع ليبيا»، ذكرت صحيفة «كوريا تايمز» في 6 شباط الماضي، أن كوريا الجنوبية تشاورت مع الولايات المتحدة العام الماضي حول تعزيز البرنامج النووي المدني لليبيا، وذلك نقلاً عن برقية دبلوماسية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية سرّبها موقع «ويكيليكس».
واستناداً الى هذه البرقية، سأل السفير الكوري لدى طرابلس، تشانغ دونغ هي، نظيره الأميركي، جين كريتز، عما إذا كانت واشنطن تعارض مثل هذا التطوير (لمفاعل نووي). فأخبر تشانغ كريتز بأن السفارة الكورية في واشنطن أجرت مقاربة للموضوع مع الحكومة (الأميركية) من دون أن تلقى رداً.
ويبدو أن العقيد الليبي الذي تخضع علاقات بلاده مع الدول لمزاجية غريبة طالما أساءت الى جوهر هذه العلاقات، حافظ على عدم وضع البيض في سلّة واحدة، فوقّعت حكومته في السنوات الأخيرة اتفاقات نووية مشابهة مع فرنسا والأرجنتين وكندا وأوكرانيا وروسيا، حسبما ورد في البرقية السرية التي لفتت إلى نية العقيد العمل مع واشنطن في هذا الحقل.
لقد نجحت واشنطن في إقناع العقيد العنيد، بتغيير سياساته تحت سطوة حربي العراق وأفغانستان، وإغراءات تبييض سجل «الإرهاب الدولي»، فتمكّنت من تحويل أوراق اعتماداته من دولة اشتراكية ستالينية في شمال شبه الجزيرة الكورية الى الشطر الجنوبي الذي يرتمي في أحضان الولايات المتحدة، ولا يقيم علاقات تعاون إلّا وفق مشورتها. هذا ما يفسّر لحظة الانتقال من التسليح الى إنتاج الطاقة لأغراض مدنيّة.