الثورة لم تنته، ولا دخلت في أقفاصها المعتادة، الكرنفال في الميدان، لكن روح الثورة تتجول في الشوارع، وتفتش عن القيم الغائبة. الغضب لم يعد وحده، الخيال موجود، يفجر مفاجآت لا تستطيع أجهزة السياسيين القدامى التعامل معها.

الخيال يلتقط كتلة غائبة، فكرة اسمها الشعب ويحولها إلى كتلة مادية، تفرض نفسها في الميدان، وتصنع من شرعيتها وجوداً لا يقدر على استيعابه عقل تربى على أن السياسة هي فك رسائل القصر، ومعرفة أسرار المعبد.
رغم الثورة وفورانها، استمر العقل القديم في اللهاث وراء أسرار المعبد، ماذا يخطط الكهنة؟ من سيختارون؟ ماذا سيقبلون؟ تفكير بدا مقبولاً من قطاعات واسعة، وخصوصاً أن الكهنة في برج طيبتهم، والمجلس العسكري فك بعض ستائر غموضه ونزل إلى الميدان وتواصل مع الجماهير عبر «الفايسبوك». يقول: «انتظرنا ٣٠ عاماً، فلا مانع من الانتظار قليلاً، فالآتي أفضل». هذا بعد رسالة تقول: «رسالتكم وصلت»، ولم يكملوها: «عودوا إلى بيوتكم ونحن سنلبي المطالب».
الجيش أبوي بطبيعته، ورغم الطيبة الحذرة، والعنف المكتوم بين مؤسسة فرضت أسطورتها من دون مواجهة مباشرة، وتعودت على وصاية المنقذ، والحامي، بدون تجربة مسبقة.
الثورة أنزلت الجيش من الثكنات، استدعت قواته، ونسجت نوعاً من علاقات لم يدركها مبارك ولا استخباراته، بمن فيهم رجاله الموغلون في الغموض مثل عمر سليمان.
علاقة جديدة، لا تحطم الأسطورة بالكامل، لكنها ترسم حدودها وفق موازين قوى جديدة، يحشر فيها الشعب يده، داخل الكتلة الصماء للسلطة.
لم يكن سهلاً على من يحمي الثورة أن يرضى بقوتها، ولا بشرطها غير المعلن: لم يعد الجيش صانع السلطة، ولا جنرالاته كهنة دولة الأسرار.
جسم الثورة يريد إطاحة التركيبة كلها، وهو واعٍ بدرجة ما لضرورة بناء تركيبة جديدة للسلطة لا تسمح بعودة الأفاعي القديمة من الشوارع الخلفية. هكذا في لحظة الاحتفال برئيس الحكومة الجديد عصام شرف، هتف الميدان: الشعب يريد إسقاط أمن الدولة.
الثورة لم تشبع بعد، والإرادة لا تقبل الامتصاص في تلبية المطالب وفق تقديرات مؤسسات الوصاية، وفي مقدمتها الجيش. الثورة تعرف ما تريده، ربما كانت تفتقر إلى التكوين السياسي، أو الخبرات في مواجهة أزمات أو مطبات تصنعها الثورة المضادة، وجيشها من رديف المستفيدين من نظام مبارك، والحائرين من دون السلطة الأبوية، ويخاف من تمرد العائلات أو تفككها، ويرفع شعارات: «كفاية كده».
الطبقة الوسطى تصارع تهتكها، وتتمرد على سقوطها في الميدان، لكنها في البيوت تعاني طبقية لم تعد ترى من الثورة إلا حثالة المدن، ومجموعة من المتقافزين على جسمها الكبير.
«حثالة المدن» ضحايا أنظمة القهر، خرجت من جحورها بين فواصل الطبقات، مسخ من أفكار وقيم وأخلاق فقدت هيئتها الأولى وتآكلت وتجمعت في كيان لا يمكن توصيفه بأوصاف تقليدية.
تغضب «الحثالة» أحياناً من السلطة، وتصل بغضبها إلى الحافة. فتكسر وتحرق. وبعد قليل يمكنها أن تصبح في الطرف الآخر مع السلطة وضد الثورة وبالحماسة والتدمير نفسيهما.
واجهت الثورة بعد نجاحها خطر الهجوم من «الحثالة»، بميليشيات بائسة تتجمع لديهم بلا وعي ولا سياق، الغضب والسخط على كل المؤسسات القائمة، بداية من مؤسسات السياسة إلى مؤسسات القيم والأخلاق، من العائلة إلى المدرسة، مروراً طبعاً بمؤسسات السلطة التي لا تطارد سوى الغلابة والضعفاء، بينما تحمي الأقوياء والمسنودين إلى حائط النفوذ.
وفي الميدان استمر الكرنفال، بشكله المصري المعروف «المولد»، حيث تلتقي كل القيم والرغبات الكبرى: الدين والسياسة والجنس. هناك زاحمت رايات الانتهازيين والضحايا، رايات الثورة وشغلت حيزاً من البرنامج السياسي الذي يتكون بصعوبة، وبإيقاع مرتبك. تتفتح الرئة بصعوبة بعد سنوات من ضيق التنفس السياسي، والرئات المفتوحة تستقبل تيارات هواء منعش، ودخاناً قديماً وغازات سامة، تراهن فقط على جهاز مناعة يتقوى بالانتصارات، وتنغلق مسامه بالهواء القديم.
عصام شرف أعاد خطوط الاتصال بين نمو الجسم السياسي والكرنفال. رجل عادي عبر الميدان قبل إزاحة مبارك، وعاد إليه محمولاً على أعناق جماهير لم تحمل أحداً منذ عبد الناصر تقريباً.
الشعب يحتفل بانتصاره، ليس في إزاحة أحمد شفيق، آخر رئيس حكومة عينه مبارك، لكن في تحطيم دائرة القيم المشبوهة التي يختار بها مساعدوه: الشلة والانتماء والولاء. كسرت جماهير الثورة من جديد القانون، بعدما أزاحت صاحبه، عبر التصميم على إنهاء التركيبة: الرئيس وأعوانه وقيمه، والدور التالي على أجهزة القهر والترويض.
لم يعد الشعب يبحث عن بطل، وزعيم وأب. الكتلة المدهشة حطمت أقفاصها بانتظار بطل مخلص، كشفت عن شوقها إلى قيم غائبة. هذا ما تأكد في ميدان التحرير نهار ٤ آذار، حين رفعت الجماهير الغفيرة شخصاً لم تعرفه من قبل، ويمثل بالنسبة إليها قيمة الشرف والنبل والاستغناء .
قيم حولتها كتلة الثورة من مجال الأخلاق إلى السياسة، في حركة ذكية حين طلبت من عصام شرف أن يحلف اليمين في الميدان. شرف، واسمه توافق بالصدفة مع رغبات الشعب وأشواقه، هو من الأشخاص الذين يتمتعون بصلابة أمام الحالة السائلة التي وضع مبارك البلد كلها تحت سطوتها.
اكتشفت الثورة عصام شرف، ودفعت به ليحصل على شرعية من الميدان، ويعلن عملياً ولادة قوة الشعب، لتجاور قوة الجيش، ولا تنتظرها. عصام شرف اكتشاف ضد اتجاه الحركة الذي أفرغ مصر من كوادرها، وأفقد البلد كله أي صلابة ما. وضع البلد كلها في الحالة «بين بين». لا هي سيولة كاملة ولا مكان لصلابة ما. حالة غابت معها نوعية من أشخاص يستطيعون القيام بأدوار عامة. أشخاص يمكنهم أن يعبروا عما هو أبعد من حدود أجسادهم.
في الميدان يولد من جديد «مجال عام». هذا «المجال العام» يعني في البداية أن مصير البلد وسياساته ليسا ملكاً للحاكم، أو لنظام يحدد ما يراه باعتباره صاحب البلد أو مالكها الأبدي. في المجال العام ينمو المجتمع المدني كقوة موازية لقوة السلطة في معادلة الحكم.
الشعب يبحث عن قيمة، لا عن بطل، لا ينتظر « فتوة عادل» كما روج علماء وسياسيون وحراس دولة ما قبل مبارك. جمهور «ثورة ٢٥ يناير» لا يشعر بالعجز، وأكبر خطر عليه هو من «الحرافيش» المنتظرين لفتوة ترسله السماء ويحقق لهم المطالب وينقذهم من الفتوة الظالم، «المستبد العادل». هذه كانت أقصى هدية ينتظرها المصريون قبل ٢٥ يناير، لكنها لم تكن سوى هدية بؤس، لا يرضى بها إلا العاجزون أمام ماكينة القهر الجبارة.
هكذا تبدو الثورة بخيالها، وقوتها في الاستمرار، ملهمة لأصحاب الرئات القديمة، والعقول اللاهثة وراء أسرار المعبد، الذي فتحت أبوابه الضخمة، وأصبح مكشوفاً أمام الجميع. لم تعد السياسة رهن صراعات الكهنة، أصبحت الكتل العابرة لشوارع المدينة الخارجة عن السيطرة تحمل مفاجآت. كتل يمكن تنظيمها ليكتسب جسم الثوار، إلى جانب فتنته، فاعلية تبني دولة ديموقراطية، السيطرة فيها لقيم اكتشفها المصريون في الميدان.
في الميدان انقلبت المعادلات والمواقع بنحو جذاب، لم تعد المنصة منطقة الجذب، ولا المتصارعون عليها هم النجوم. الجسم الكبير في الميدان ينفض غبار سنين القهر، ويتحرر، ويقفز من خطوة لخطوة، صانعاً جاذبيته المدهشة. الميدان لا المنصة، والثورة لا راكبو موجاتها، هكذا فمن يحشر نفسه في مشهد بجوار عصام شرف، سيسقط من الذاكرة، وسيبدو محشوراً ومتطفلاً. فالرجل الذي ذاب وسط الملايين قبل سقوط مبارك، يصعد وحده عندما اكتشفت الجماهير ما كانت تشتاق اليه.
لم يعد المحبوسون في الأقفاص يضربون ضربات يائسة بحثاً عن أمل منسي، لكنهم خرجوا وكسروا إشارات المرور، وأعادوا رسم شوارع المدينة، وبحثوا عن كنوز فقدوها مع سنوات القهر والفساد، وأعادوا فتحها في مشهد يسرّ الناظرين.