صنعاء | انقطعت شعرة معاوية بين السلطة والمعارضة، بعدما أعلنت أحزاب اللقاء المشترك، على لسان القيادي فيها محمد الصبري، انتهاء الحوار غير المباشر مع السلطة عبر علماء الدين من دون نتيجة، مشيرةً إلى أنه لا خيار أمام المعارضة الآن سوى الشارع حتى تنحّي الرئيس علي عبد الله صالح.

وأكد الصبري، الذي وصف صالح بأنه «ميت سياسياً»، توجيه دعوة إلى كل الشعب لتوسيع دائرة الاعتصامات والتظاهرات، وتصعيد النضال السلمي في الشارع في كل المناطق، حتى لا يبقى أمامه (صالح) إلا خيار واحد، الرحيل، في الوقت الذي خرج فيه رئيس هيئة علماء اليمن، عبد المجيد الزنداني، عن صمته أمس، متهماً الرئيس اليمني بالتلاعب بنقاط المبادرة التي قدمها في إطار وساطته بين السلطة والمعارضة. وأصدر الزنداني بياناً أكد فيه أن العلماء اتفقوا مع صالح على سبع نقاط كتصور لحل الأزمة الراهنة، إلا أن الرئيس اليمني «أضاف الثامنة التي تنصّ على منع التظاهرات والاعتصامات».
في هذه الأثناء، اختار النظام مدينة أب جنوبي صنعاء لإعادة استخدام أسلوب البلطجية لمواجهة المحتجين، حيث أصيب نحو 58 شاباً من المعتصمين في ساحة «خليج الحرية»، إثر هجوم شنّه عليهم موالون لحزب الرئيس الحاكم. وقال شاهد عيان إن ما يزيد على مئة مسلح كانوا يرفعون صوراً للرئيس هاجموا الشباب المعتصمين، وأطلقوا النار عليهم.
تطورات أتت بعدما رفض الرئيس اليمني النقاط الخمس التي قدمتها أحزاب اللقاء المشترك المعارضة ردّاً على مبادرته التي حمّلها لجمعية علماء اليمن بقيادة الزنداني، رئيس مجلس شورى حزب الإصلاح. وهم العلماء الذين طلب صالح، الأسبوع الماضي، مقابلتهم بحثاً عن وساطة، لعلّهم يقدمون له مخرجاً مقبولاً للأزمة الخانقة التي تكاد تطبق على رقبته، ولذلك أكد لهم أنه سيمتثل لما يقدمونه من مقترحات، ولن يردّ بغير «سمعنا وأطعنا».
في بداية الأمر ظهر أنه قد وافق على المبادرة، عندما خرج مسؤول رفيع المستوى في المكتب الرئاسي قائلاً إن الرئيس سيرد بإيجابية على نقاط أحزاب اللقاء المشترك الخمس. وعلى هذا الأساس ذهب الناس إلى نومهم وقد استبشروا خيراً، معتقدين أن «فخامته» أدرك أخيراً أن أمر اختفائه من حياة اليمنيين قد صار حتمياً، وأنه سيظهر على شاشة التلفزيون، لمرة أخيرة، كي يقول لشعبه «لقد فهمتكم». لكنه خيّب ظنهم كعادته. فسرعان ما عاد المسؤول نفسه ليعلن أن النقاط الخمس المقدمة من أحزاب اللقاء المشترك قد اكتنف بعض نقاطها «الغموض» و«الالتباس»، مؤكداً رفض صالح لـ«التفسيرات المقدمة للنقطة الرابعة من قبل قيادات أحزاب اللقاء المشترك، والتي تنصّ على ضرورة وضع برنامج زمني لتنفيذ الخطوات الضرورية (لانتقال السلطة)، في إطار فترة انتقالية لتنفيذ ذلك، بحيث لا تتعدى نهاية العام، بناءً على مبادرة يقدمها الرئيس بذلك».
وعلى ما يبدو، فإن الرئيس قد احتاج إلى يوم ونصف كي يكتشف غموض هذه النقطة والتباسها، وأن أحزاب اللقاء المشترك قد وضعت له فخاً، وأن تلك النقطة الشيطانية إنما «تمثل عملية انقلابية مكشوفة على الديموقراطية والشرعية والدستور»، مؤكداً أن هذا «أمر لا يمكن القبول به، وأنه لا انتقال سلساً للسلطة بغير الانتخابات».
وأمام تمسّك الرئيس اليمني بكرسيه لغاية عام 2013 وقدوم موعد الاحتكام إلى «الصندوق»، عاد للمناورة ثانية باللجوء إلى ورقة «جمعية علماء اليمن»، مخزونه الاستراتيجي الجاهز للاستخدام وقت الأزمات. وهي جمعية تختلف عن «هيئة علماء اليمن»، التي طلب وساطتها مستجدياً عبد المجيد الزنداني تدخله عند أصحاب اللقاء المشترك.
فالجمعية تسكن دائماً في السياق الرسمي، لم يُعرف عنها مخالفة صالح في الرأي. فخرجت هذه المرّة أيضاً ببيان اتهمت فيه أحزاب اللقاء المشترك بأنها تجاهلت مبادرة الرئيس، وأن في هذا الأمر مدعاة لـ«فتنة» قد تحيق باليمن وأهله. كلام حرصت أحزاب اللقاء المشترك على الرد عليه بدعوة أولئك الذين «جرجرتهم السلطة لإصدار البيانات والفتاوى المؤيدة لها ولسياساتها الخاطئة، لتظهرهم بمظهر من يهتف للجور ويصفّق للظالمين، ومن يحمل المباخر لإخفاء نتن الفساد والفاسدين، لأن يثوبوا إلى رشدهم وأن يتوبوا إلى الله».
هي عودة إذاً إلى ملعب الدين مجدداً. تعمّد التلفزيون، والإعلام الرسمي عموماً، الاحتفاء ببيان العلماء ذاك، وتكراره باستمرار على الشاشة، مظهراً أحزاب اللقاء المشترك في زي الخارجين عن إجماع الأمة ووحدة الصف. لعبة إعلامية قديمة تستهدف التأثير على العامة البسطاء وكسبهم إلى صف الحاكم، الذي تناسى أن من يرابطون في الشوارع ليل نهار ليس معهم غير هتاف واحد «الشعب والفقراء يريدون إسقاط الرئيس ونظامه».
كذلك فإن صالح لم يلعبها جيداً هذه المرة. خانته فراسته، حيث تناسى أن الأوراق قد اختلطت تماماً، ولم تعد على ما كانت عليه في الأيام الخوالي، عندما كان علماء الدين كلهم في جيبه، وفي مقدمتهم حزب الإصلاح الأصولي، ومعه عبد المجيد الزنداني وعبد الوهاب الديلمي، صاحب الفتوى التي أجازت استباحة أرض الجنوب في حرب صيف 1994، لما في ذلك من مصلحة للأمة.
يومها لعب صالح بورقة عدن الاشتراكية، التي ينبغي إعادتها إلى الإسلام، وضرورة هدم مصنع «صيّرة» للمشروبات الروحية، فسال لعاب الزنداني ومعه شباب متحفّز للجهاد وعاطل من العمل منذ عودته من أفغانستان. وكان أن نجحت «غزوة عدن»، وسيطر صالح على كل الجنوب مقصياً الحزب الاشتراكي، شريكه في وحدة 1990، فيما كان لعبد المجيد الزنداني مكافأة خاصة تمثلت في السماح له بتأسيس جامعة الإيمان السلفية.
لكن كل هذا تغيّر بعدما وصلت الحال بصالح إلى استخدام الإسلاميين ورقة يعمد عبرها لابتزاز الغرب والأميركيين على وجه الخصوص، مقدماً إياهم على هيئة خطر خامد، يمكن أن يستثار في أي وقت، وأنه وحده القادر على السيطرة عليهم وتسكين تحركاتهم. وكي يتحقق هذا، لا بد لهذه الدول من عدم ترك اليمن لمصير اقتصادي مظلم، وضرورة التدخل بالدعم المالي لإنقاذه، ولو كان ذلك عن طريق صناديق خاصة وعقد مؤتمرات لدول مانحة، وذلك بعدما تأكدت غالبية الدول الغربية من أنه لا مجال لإحداث إصلاح فعلي في اليمن عن طريق تقديم الدعم المالي المباشر، نظراً إلى الفساد المسيطر على نظام صالح والمحتكر من قبله ومن قبل نافذين من أسرته. وعليه صار الإسلاميون طعماً يستخدمه صالح لجلب المال من الغرب، ملوّحاً بخطر تنظيم القاعدة وأخواته بين الحين والآخر. لكن ورقة القاعدة لم يعد مجدياً اللعب بها. فقد لوّح زين العابدين بن علي بها ولم تحمه من السقوط، كذلك استخدمها حسني مبارك ولم تمنعه من التنحّي، لذلك يكون من الغباء أن يلوّح بها صالح أيضاً. وهذا ما أدركه أصحاب صالح لاحقاً. ولذلك لم يعد رفقاء الجهاد في الأمس شركاء اليوم. تبدلت شروط اللعبة، وأصبح أصحاب فتوى «غزوة عدن» يصعدون على المنابر منادين بمشروعية الخروج على الحاكم الجائر، ومصرّحين بأن أمر الجهاد ضده واجب شرعي مطلوب ومحمود. فانتقلوا إلى الوقوف في الشارع مع شباب الجامعة، ولديهم مخزون هائل من الآيات القرآنية والنصوص النبوية لتدعيم صدق ما يدعون إليه، فيما يطرب الناس لسماع هذا، وخصوصاً أن الجروح التي سبّبها لهم صالح طوال 32 عاماً تأتي هنا عاملاً حاسماً في مسألة الوقوف ضده، ودفع عجلة سقوطه حتى نهاية الطريق.




تحذيرات غربية

في إشارة إلى احتمال تدهور الأوضاع بسرعة، حثّت الولايات المتحدة مواطنيها على عدم السفر إلى اليمن، مشيرةً إلى أن الموجودين هناك عليهم التفكير في الرحيل بسبب تردّي الأوضاع الأمنية. ورأت وزارة الخارجية الأميركية في تحذيرها أن مستوى التهديد الأمني في اليمن مرتفع للغاية نتيجة للأنشطة الإرهابية والاضطرابات المدنية، محذرةً من عدم قدرتها على مساعدة المواطنين الأميركيين في أزمة قد تكون مقيدة، وأن خيارات الإجلاء ستكون «محدودة جداً»، نظراً إلى الافتقار إلى البنية الأساسية وإلى عوامل جغرافية ومخاوف أمنية.
بدورها، نصحت بريطانيا رعاياها بعدم السفر إلى اليمن لأي سبب كان، نظراً إلى ارتفاع مستوى العنف الدامي، فيما نصحت جميع المواطنين البريطانيين الموجودين في ذلك البلد، من دون أن يكون لوجودهم ضرورة ملحة، بالمغادرة «بأي وسيلة تجارية متاحة حالياً».
(أ ف ب)