فيما ترى السلطة الليبية أن النقطة الأساس في القتال الدائر على مشارف العاصمة طرابلس هي مدينتا الزاوية ومصراتة، تنظر المعارضة الى مدينة سرت، مسقط رأس العقيد معمر القذافي، كنقطة استراتيجية ستحرم السلطة من التواصل مع باقي المناطق التي تضم مؤيدين له.

مدينة سرت، التي اتخذت أهميتها ديموغرافياً منذ عام 1969، حين أصبح ابن أحد أكبر قبائلها (القذاذفة)، قائداً للثورة الليبية، مثّلت مفارقة في القتال الدائر حالياً، إذ إن بعض قبائلها وبعض أبناء القذاذفة وقفوا ضد السلطة.
وفي رأي المعارض الليبي، صالح جعودة، أن أهمية سرت، تكمن في قربها من العاصمة طرابلس. ويقول الخبير السياسي المقيم في واشنطن في اتصال مع «الأخبار»، إن معركة سرت ستكون فاصلة للمعارضة لأنها ستقفل أي طريق بري أمام القوات النظامية، وستفصل طرابلس عن ولاية فزان، التي يقيم بها أبناء قبيلة القذاذفة، وعاصمتها سبها.
وبسقوط سرت، لن يبقى أمام القذافي أي طريق بري للتواصل مع مؤيديه في الجنوب، حيث يعيش الكثير من مؤيديه.
لكن قبائل فرجان وحسون في سرت لا يدينون بالولاء للسلطة، رغم ان سرت معروفة بأنها مسقط رأس العقيد. وهذا ما يساعد الثوار على تسهيل عملية السيطرة على المدينة. فسقوط سرت، حسب ما يرى جعودة، «سيُحدث دوياً هائلاً نفسياً لدى القذافي ويحطم قواته معنوياً، وبالتالي سيزيل أي عائق جغرافي قد يحول بين المعارضة ومدينة مصراتة».
وعن التكتيك العسكري للنظام، يوضح جعودة وهو عضو المكتب السياسي للحركة الوطنية الديموقراطية الليبية سابقاً، أن النظام يتبع تكتيكاً خطيراً يقوم على سياسة القضم بالقطعة. ويشير الى أن قوات القذافي تركّز كل قدراتها من دبابات ودروع ومدفعية على الزاوية، التي تحتضن أهم ميناء نفطي يمثّل دعماً لوجستياً أساسياً لقوات السلطة.
يرى جعودة أن سقوط الزاوية من شأنه أن يحرم القذافي وقواته من مادة السولار والبنزين، وبالتالي افتقاد آلياته وطائراته هذه المواد الأساسية، لأنه لا وجود لمصفاة أخرى في أيدي كتائب القذافي بعد سيطرة الثوار على كل المناطق النفطية والموانئ الخاصة بتصدير البترول.
أمّا على الخط المقابل، فالتكتيك العسكري للمعارضة بدأ بالهجوم على سرت ورأس لانوف، على أساس أنها منطقة مهمة جداً من الناحية الاستراتيجية. ووصلت المعارضة الى بن جواد وهي نقطة العبور الرئيسي الى سرت، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً.
جعودة يطمئن الى أن عدداً من المتطوعين انضموا الى القوات الخاصة التي انشقت عن القذافي، لافتاً إلى أهمية ما قامت به السلطات الليبية سابقاً من تدريب عسكري لكل الطلبة، ما جعل عدداً كبيراً من الشباب الليبي اليوم يتقن فن القتال واستخدام الآليات العسكرية والأسلحة على أنواعها، قائلاً «رب ضارة نافعة».
التحليل العسكري هذا أكدته الوقائع الميدانية أمس، حيث ركّزت القوات الموالية للزعيم الليبي على المناطق المحيطة ببلدة بن جواد الواقعة بين رأس لانوف التي تسيطر عليها المعارضة، ومدينة سرت.
ويؤكد أحد قادة المعارضة، العقيد بشير عبد القادر، لوكالة «رويترز»، أن السيطرة على سرت ليست صعبة، مشيراً إلى أن 70 في المئة من المواطنين هناك مع المعارضة المسلحة، غير أنهم طلبوا من المعارضة عدم الذهاب الى هناك خوفاً من المعارك العنيفة. أما ساعة التحرك، فبحسب عبد القادر أن الثوار ينتظرون اتصالاً من سرت لإبلاغها حين يكون الناس هناك مستعدين.
أما عضو المجلس العسكري لمنطقة بنغازي، العقيد الأمين عبد الوهاب، فيكشف أن المجلس تلقى اتصالاً من أعضاء في قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها القذافي في سرت، يريدون التفاوض. وأضاف إنه لن تكون هناك مفاوضات، مشيراً الى أن أفراد القبيلة سألوهم عما يريدونه، وكان ردهم هو أنهم يريدون إسقاط القذافي.
ويشير عبد الوهاب إلى أن جنوداً ينتمون إلى قبائل الفرجان أُعدموا لرفضهم قتال المعارضة المسلحة، مضيفاً إن قبيلة الفرجان في سرت انضمت إلى العصيان، بسبب الأعمال الوحشية التي قامت بها كتائب القذافي، وخصوصاً أن النظام زوّد قبيلة القذاذفة فقط بالسلاح.
أما في ما يتعلق بعدد قوات القذافي في سرت، فيقدّر عبد الوهاب أن القذافي ربما يكون له أكثر من 20 ألف مقاتل في المدينة، مشيراً الى أن قوات الساعدي، ابن القذافي، التي تضم أربعة ألوية، فضلاً عن أبناء القبيلة، هي التي تسيطر على المنطقة.
وتطل مدينة سرت على الخليج المتفرع من البحر الأبيض المتوسط الذي عرف باسمها، وتقع بين طرابلس وبنغازي. وكان خليج سرت يعرف باسم خليج السدرة، الذي شهد إبان الحرب الباردة مواجهات بين ليبيا وأميركا وقد أطلق على المدينة اسم الرباط الأمامي بعد هذه المواجهات، وسمّي خليجها للسبب ذاته باسم خليج التحدّي، وهي من المدن المهمة قديماً، حيث كانت محطة أساسية على طريق القوافل بين برقة وطرابلس وأفريقيا.