تضاربت الأنباء الواردة من ليبيا أمس بشأن مسار عمليات القتال، بعد إعلان التلفزيون الرسمي استعادة قوات العقيد معمر القذافي عدة مدن يسيطر عليها الثوار، فيما أكدت المعارضة تقدمها نحو سرت وصدّها هجمات على الزاوية ومصراتة، تزامناً مع احتجاز الثوار ثمانية جنود بريطانيين التبست التصريحات بشأن هويتهم

في ظهور جديد من خلال الإعلام الأوروبي، عاد الزعيم الليبي معمّر القذافي إلى التلويح بفزّاعتي «الإرهاب الإسلامي» والهجرة غير الشرعية، في وجه الدول الغربية، قائلاً إن استمرار المعارك في ليبيا سيؤدي الى كارثة في أوروبا، لكن تحذير العقيد لم يمنع القتال من الاحتدام على أبواب طرابلس، إذ تنوي المعارضة إسقاط معقله الحصين.
وفي مقابلة مع صحيفة «جورنال دو ديمانش» الفرنسية، قال القذافي، إن «آلاف الناس سيجتاحون أوروبا انطلاقاً من ليبيا، ولن يستطيع أحد إيقافهم». وكرر تشديده على جهود نظامه في مكافحة تنظيم القاعدة. وقال «سيكون لديكم (أسامة) بن لادن على أبوابكم.. سيكون لديكم جهاد إسلامي في وجهكم في المتوسط». ورأى أن الإسلاميين «سيهاجمون الأسطول السادس الأميركي وستحصل أعمال قرصنة هنا على أبوابكم، على بعد 50 كيلومتراً عن حدودكم»، لافتاً الى أن «بن لادن سيطلب فدية من البر والبحر وستحدث أزمة دولية حقيقية».
وفي ما يشبه التذكير بخدماته السابقة للغرب في مسألة محاربة «الإرهاب»، قال القذافي «فوجئت بعدم تفهّم أحد أن هذه معركة ضد الإرهاب. أجهزتنا الأمنية تتعاون. لقد ساعدناكم كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية. ومن ثم فلماذا عندما نكون في معركة ضد الإرهاب هنا في ليبيا لا أحد يساعدنا في المقابل؟».
وفي موقف غير مسبوق، دعا العقيد الليبي الى إرسال لجنة تحقيق «من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي» للتحقيق في الاضطرابات التي تهزّ ليبيا، واعداً بالسماح لهذه اللجنة «بمعاينة الوضع ميدانياً من دون عقبات».
وغمز القذافي من قناة فرنسا، قائلاً «إذا كانت فرنسا ترغب في تنسيق عمل لجنة التحقيق وقيادتها فسأؤيد ذلك». كما دعا باريس الى أن «تتسلّم زمام الأمور وتعطّل قرار الأمم المتحدة في مجلس الأمن وتوقف التدخلات الأجنبية في منطقة بنغازي».
وفي ما يخص الهولنديين الثلاثة الذين كانوا يقودون طوافة، واعتقلوا الأسبوع الماضي، في سرت خلال عملية إجلاء اثنين من المدنيين الأوروبيين، عدّهم القذافي أسرى، مضيفاً «أوقفنا طوافة هولندية هبطت في ليبيا من دون إذن». وادّعى مجدداً، رغم كل الأعمال الدموية التي قامت بها قواته ضد شعبه، أنه لم يقم بعمليات قمع، قائلاً «لم أطلق يوماً النار على شعبي. هنا في ليبيا، لم نطلق النار على أحد وستظهر لجنة التحقيق ذلك»، متهماً الثوار «بترهيب السكان».
وعن المشاورات التي تقدم إليه للقضاء على المعارضة، كشف القذافي أن «السلطات العسكرية تقول لي إن من الممكن تطويق الزمر (المسلحة) لتركهم يغمى عليهم وينهكون شيئاً فشيئاً».
ورداً على سؤال عن قرار تجميد الأرصدة العائدة إليه وإلى المقربين منه، قال القذافي إنه «لا يملك إلا خيمته». وأضاف «أتحدى العالم أجمع أن يثبت امتلاكي ديناراً واحداً».
في هذه الأثناء، استيقظت العاصمة الليبية أمس على أصوات إطلاق الرصاص وتدفق الآلاف من الليبيين إلى الساحة الخضراء، وسط المدينة، بعد إعلان التلفزيون الرسمي سيطرة القوات المسلحة سيطرة كاملة على مدن طبرق ومصراتة والزاوية ورأس لانوف.
وبدت شوارع العاصمة وضواحيها، خلافاً للأيام الماضية، مزدحمة بالسيارات والمارة والمحال التي عادت إلى فتح أبوابها، فيما بدأت الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود والمخابز تخف شيئاً فشيئاً.
وفي إطار الحرب الإعلامية بين الحكومة والمعارضة، نفى المتحدث باسم الحكومة، موسى إبراهيم، نشوب أيّ قتال في طرابلس. وأضاف، بعد سماع دويّ طلقات نارية كثيفة في العاصمة، إن هذه أصوات احتفالات لأن القوات الحكومية سيطرت على كل المناطق المؤدية إلى بنغازي، وهي بصدد السيطرة على بنغازي.
لكن متحدثاً باسم مقاتلي المعارضة في شرق ليبيا، قال إن المسلحين لا يزالون يتقدمون إلى مدينة سرت الواقعة إلى الغرب من بنغازي، معقل قوات المعارضة. ونفى شهود عيان ما ذكره التلفزيون الرسمي عن سقوط طبرق ومصراتة والزاوية ورأس لانوف بأيدي القوات الموالية للقذافي. ونقلت قناة «العربية» الفضائية عن شهود عيان، أن هذه المدن لا تزال تحت سيطرة الثوار.
الثوار الذين أكدوا صد هجوم شنته قوات القذافي على مدينة مصراته، شرق العاصمة، تحدّثوا عن مواجهات بين الجانبين دارت على مدخلي المدينة الغربي والجنوبي.
وبعد عمليات كر وفر وتقارير متضاربة حول السيطرة على مدينة الزاوية، التي تمثّل أهم مصدر للتزود بالوقود، أشارت الأنباء إلى أن الزاوية تعرضت أمس لقصف عنيف من جانب قوات النظام، التي تحاول اجتياح المدينة، مدعومة بالدبابات.
ورغم أن شهوداً أفادوا بأن العمليات العسكرية لا تزال مستمرة في منطقة الزاوية منذ الأسبوع الماضي، بعدما تمكن المعارضون من صد الكتائب المسلحة رغم سيطرتها على وسط المدينة، أعلن نائب وزير الخارجية الليبي، خالد الكعيم، أن الزاوية هادئة وأبدى أمله في أن تعود الحياة الى طبيعتها بحلول الصباح.
لكن أحد الأطباء في الزاوية أكد أن 30 شخصاً على الأقل، معظمهم مدنيون، لاقوا حتفهم أثناء القتال الذي هز وسط المدينة أول من أمس، ليرتفع بذلك عدد القتلى إلى 60 على الأقل خلال يومين من المعارك.
وفي بلدة بن جواد الواقعة بين رأس لانوف وسرت، هاجمت القوات الموالية للقذافي تجمعات للمعارضة بأسلحة آلية وقذائف صاروخية. وقال معارضون للقذافي إنهم سيطروا على بلدة بن جواد عقب الاستيلاء على ميناء رأس لانوف، وإنهم يزحفون غرباً نحو سرت.
وأعلن مصدر طبي جرح 14 شخصاً على الأقل، بينهم صحافي فرنسي أصيب في ساقه في بلدة بن جواد، التي تبعد مئة كيلومتر شرقي سرت، مسقط رأس الزعيم الليبي، في اشتباكات يوم أمس.
في هذه الأثناء، نفى عضو المجلس الثوري في طبرق شرق ليبيا، فتحي فرج، سقوط المدينة بأيدي قوات العقيد القذافي، حسبما أفاد التلفزيون الليبي، مؤكداً أن «هذا الكلام غير صحيح إطلاقاً».
ويبدو أن عيون الثوار تتجه نحو معقل العقيد القذافي في طرابلس، حيث أفادت مصادر المعارضة عن «احتمال شنّهم هجوماً كاسحاً لاقتحام المدينة، وذلك بعد التحامهم مع عناصر من المنطقة الشرقية».
وبحسب مراسل محطة «سكاي نيوز» البريطانية، فإن المروحيات العسكرية الليبية أطلقت النار على «متمردين» يحاولون التقدم على الطريق الساحلي باتجاه طرابلس. وأشار الى نشوب معارك برية ضارية بين القوات الموالية للقذافي و«المتمردين» الذين يحاولون شق طريق لهم غرباً باتجاه سرت، ومن بعدها طرابلس.
وفي موقفين ملتبسين بشأن هوية البريطانيين المعتقلين بأيدي المعارضة الليبية، أعلنت جماعة «سوليداريتي» لحقوق الإنسان، من مقرها في جنيف، وصحيفة «صانداي تايمز»، أن الثوار أسروا فريقاً مؤلفاً من «ثمانية أفراد من القوات الخاصة» البريطانية، وصفتهم لندن بأنهم «دبلوماسيون».
وقال وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، إن البريطانيين الثمانية يمثّلون فريقاً دبلوماسياً صغيراً أرسل الى بنغازي، لفتح قنوات اتصال مع المعارضة، لكنه غادر البلاد بعدما «واجه صعوبات» هناك.
وأضاف هيغ، في بيان له، «نعتزم بالتشاور مع المعارضة إرسال فريق آخر لتعزيز حوارنا في هذا المجال. هذا الجهد الدبلوماسي هو جزء من عمل أوسع نطاقاً تقوم به بريطانيا في ليبيا، بما في ذلك دعمنا الإنساني المستمر». غير أن متحدثاً باسم المعارضين في بنغازي، أكد أن الفريق الذي تردد أنه يضم أفراداً من القوات الخاصة البريطانية، غادر ليبيا.
وكان مصدر في الحركة المعارضة قد أكد أن الثوار «أمسكوا بعدد من أفراد القوات الخاصة البريطانية. لم يستطيعوا التأكد مما إذا كانوا أصدقاء أو أعداء». وقال «نحن نحتجزهم من أجل سلامتنا ونتوقع أن يُحل هذا الموقف بسرعة».
وكانت صحيفة «صانداي تايمز»، قد ذكرت أن الثوار في شرق ليبيا اعتقلوا 8 جنود تابعين للقوات الخاصة البريطانية. وأوضحت أن الجنود كانوا يرافقون دبلوماسياً غير رفيع المستوى، لينسّق زيارة يقوم بها مسؤول أعلى.
كذلك، ذكرت الجماعة الحقوقية التي توظف عدداً من المنفيين الليبيين، أن الجنود البريطانيين احتُجزوا في موقع يبعد عشرة كيلومترات عن مطار بنينة الدولي في بنغازي.
وكان وزير الدفاع البريطاني، ليام فوكس، قد قال لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) «نحن على اتصال معهم». وأضاف «نريد أن نفهم بوضوح ما هي الديناميّة هناك لأننا نريد أن نتمكن من العمل معهم لضمان إسقاط نظام القذافي، وأن نشهد انتقالاً الى مزيد من الاستقرار في ليبيا، وفي نهاية المطاف إلى حكومة تمثل قطاعاً أكبر من الأطياف».
المواقف الدولية أصرّت على ضرورة رحيل القذافي فوراً، فقد كرر رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، أن «الوقت قد حان» لرحيل الزعيم الليبي، قائلاً «سنواصل ممارسة المزيد من الضغوط على هذا النظام. ونقول دائماً إن القضاء الدولي لديه ذاكرة، والذين يرتكبون جرائم ضد الإنسانية لن يفلتوا من العقاب».
وفي السياق ذاته، أعلن وزير الخارجية الفرنسي، آلان جوبيه، خلال مؤتمر صحافي عقده في القاهرة، «أن العقيد القذافي ونظامه فقدا اعتبارهما بنظرنا، وعليهما الرحيل»، مشدداً على أن أي تدخل عسكري في ليبيا ستكون له «عواقب سلبية».
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي، الأخبار)