يوم ٢٧ شباط، أصدر الرئيس المقال لجهاز أمن الدولة، حسن عبد الرحمن، تعليمات بفرم الأوراق، لا حرقها، كانت المؤشرات كلّها تقول إن أيّام رئيس الحكومة أحمد شفيق على وشك الانتهاء، وإن وزير الداخلية محمود وجدي، المخلص لعقلية الجهاز، سيرحل قريباً عن منطقة «لاظوغلي»، مقر وزارة الداخلية.

«الثورة» تسير باتجاه فك تركيبة مبارك الى النهاية، وسقوط الجهاز أقوى من سقوط مبارك نفسه، الجهاز يمكنه إعادة تصنيع مبارك جديد، يحكم بالمافيا والحديد والنار، أساليب جاهزة تبحث عمّن يستخدمها، ومن تخدمه ليصبح طويل العمر في المقعد الكبير.
هجوم الثوار بدأ من الإسكندرية، وبعد ساعات من الاحتفال بوصول «واحد من الثورة» الى رئاسة الحكومة، حين حاول الضباط حرق مستندات لم يسعفهم الزمن على فرمها. رائحة الحريق نادت الثوار، وجعلتهم يحاصرون المبنى المخيف، للحفاظ على المستندات.
إنها ثورة فعلاً. يطارد فيها الشعب وحوش الجهاز، ويقاتل للحفاظ على الأدلة من الاختفاء والضياع، أطلق ضباط الجهاز في الإسكندرية النار وقنّاصتهم اصطادوا ضحايا جدداً، لكن الثوار دخلوا المبنى مع الجيش، تصحبهم حكايات عن سكان الزنازين وآهات المعذبين.
لم تتسرب أوراق من جهاز الإسكندرية، لكن استمرت مطاردة الشعب للشرطة، وانتقل الهجوم الى مدن أخرى، إلّا أنّ الهجوم الكبير كان باتجاه مدينة نصر، المقر الكبير في القاهرة، وهناك فُتح الكنز: أكوام مستندات وملفات شخصية، وتسجيلات مصورة ومسموعة.
مشاعر مضطربة من الفرح والخوف والتوتر من اكتشاف وثائق كاشفة عن الحياة في مصر، أعضاء في جماعات إسلامية عثروا على ملفاتهم، وآخرون اتصلوا بأصدقاء يبلغون كلاً منهم: ملفكم معي.
لحظات مشحونة، ومشاعر متضاربة، تحولت مع وصول الجيش الى رغبة متناقضة بين تهريب المستندات، وتسليمها الى جهات التحقيق. تسربت وسط هذا الشحن بعض المستندات، ووصلت إلى مواقع خاصة على «الفايسبوك»، كما انتشرت على الهامش هواية التبادل بين صائدي الملفات الخطيرة، وانتشرت طوابير طويلة أمام محالّ تصوير الأوراق.
وفي نفس لحظات انتشار القبعات الحمراء والمموهة في المبنى المرعب، كانت القنوات الفضائية والمواقع الإلكتورنية تتناقل الفضائح وتعرّي الشبكة السرية التي حمت مبارك ٣٠ سنة.
ليس الأشخاص وحدهم، بل أيضاً الأساليب التي يبدو فيها الحزب الوطني جهازاً تابعاً لأمن الدولة، ولحماية المجموعة المختارة. لم يكن حزباً بالمعنى المعروف، بل منصة صعود للأقوياء، يحمي الجهاز «المجموعة السرية»، بمتابعة الانتخابات وتحديد خريطة القوى والضعف وعقد صفقات، حتى مع خيرت الشاطر ومحمد المرسي، مفتاحي جماعة الإخوان، كما تكشف إحدى الوثائق تفاصيل الصفقة التي تحدثت عنها الأوساط السياسية، لكنها المرة الأولى التي يُدعم فيها الحديث بالوثائق.
المتابعات للإعلاميين والصحافيين أشارت الى فضائح، ليس أقلها توجيه أوامر بالهجوم على شخصية سياسية (عادل حمودة تلقى أحد هذه الأوامر للهجوم على نعمان جمعة رئيس حزب الوفد المعارض في ٢٠٠٥) أو بالامتناع عن استضافة شخصية مطلوب التعتيم عليها (كما فعل المذيع المعروف عمرو الليثي مع أيمن نور) أو دفع قناة فضائية إلى رفض استضافة شخصية أخرى (كما حدث في قناة أزهري، حين أخبر أمن الدولة محمود سعد بعدم الترحيب بالداعية التلفزيوني عمرو خالد في لحظات الغضب عليه). تعليمات وأوامر وتحريات أثبتت علاقات خفية (مثلاً حصول مجدي الجلاد رئيس تحرير المصري اليوم على شقة من الملياردير هشام طلعت مصطفى بنصف الثمن).
تقارير الجهاز كشفت أيضاً خطة استخدام القنوات الحكومية والخاصة في نشر شائعات عن حوادث سلب ونهب وترويع المواطنين أثناء ثورة ٢٥ يناير. أما صدمة جمهور واسع من عشاق الأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسي، فكانت عندما تسربت حكاية مرور ضابط من أمن الدولة على مكتبه وتركه رسالة تطلب منه المساهمة في إخلاء ميدان التحرير اعتماداً على جماهيريته (عمرو موسى)، وذلك بتكوين لجنة حكماء تمتص غضب الشباب.
الجهاز تعامل على أنّ الثورة «حدث إثاري» أشعله «إثاريّون»، وهي توصيفات يضيفها الجهاز الى اللغة السياسية، كما يضيف حكايات طويلة عن شبكات العملاء، ومستوى من التجنيد، تنافس مع استخبارات ألمانيا الشرقية. على سبيل المثال تجنيد زوجة للتجسس على زوجها، أو الضغط على الجميع بتسجيل مكالمات جنسية، وهذه لعبة لم يفلت منها أحد حتى مفتي الديار المصرية علي جمعة.
الجهاز مسيطر حتى على القضاة، والتعليمات واضحة في تقارير تروي مكالمات مع قضاة حكموا على سياسيين، وأخرى تقرر التعتيم على فضائح قضاة فاسدين. أصابع في كل منطقة وشبكة بامتداد كل مصر، تتجسس لمصلحة شيء واحد فقط: استمرار النظام، أو المافيا الحاكمة. وهي عقيدة من أجلها أنشئ تنظيم سري، مهمته، حسب الأساطير التالية لسقوط الجهاز، تمهيد الأرض لوصول جمال مبارك أو من يتبعه الى مقعد حسني مبارك.
تحالف القوة والمال بقيادة تنظيم سري، هذه هي أكبر أساطير ستكون مادة للنميمة، بعدما أُخفي الجهاز، أو أتلف أدلّة على جرائم أكبر مما كشف.
هذا طبعاً غير وثائق تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، وهي الحكاية الأكثر إرعاباً في عهد حبيب العادلي. هل ترك الجهاز كل ما ينشر النميمة ويسيء الى الجمع؟ هل هي خطة مقصودة؟
ستكشف حقائق، وتطمس أخرى، لكن الجهاز تفكك، أو تفتّت، وانسحب من ميدان المواجهة مع الثورة التي احتلت تقريباً مواقعه المهمّة. وكانت الجولة المهمة أمس حصار لاظوغلي، المقر التاريخي للجهاز، حيث وقعت مواجهة عنيفة بين الجيش والمتظاهرين، من دون مبرر تقريباً، لأن الجيش الذي ترك الثوار يقتحمون البنايات ليس لديه مبرر في المنع الآن، وخصوصاً أنه خطوة رمزية بعد تساقط مقارّ الجهاز في تداعيات تفوق في تأثيرها سقوط مبارك نفسه.