مع تطوّر الموقف على جبهات القتال في ليبيا، برز خبر عرض الزعيم الليبي العقيد معمّر القذافي الاجتماع بالمجلس الوطني المؤقت للتنحّي عن السلطة، وهو ما رفضه المجلس «لعدم ثقته بالعقيد»، فيما باتت مسألة تسليح الثوّار إحدى أبرز النقاط التي يناقشها الأميركيون، الذين اختاروا السعودية لتنفيذ هذه المهمّة

أكد نائب المندوب الليبي في الأمم المتحدة، إبراهيم الدباشي، لـ«الأخبار» أمس، أن رئيس الوزراء السابق، عزوز جاد الله الطلحي، في صدد التوجه إلى بنغازي موفداً من الزعيم الليبي معمر القذافي لعقد لقاء مع رئيس المجلس الوطني الليبي مصطفى عبد الجليل، بهدف التوصل إلى تسوية بشأن مستقبل الحكم، وتنحّي العقيد عن السلطة. لكن الدباشي رفض هذه الفكرة، وأكد أن بقية الشعب الليبي ترفض الحوار مع «الطاغية الجزار»، لأن «الثقة بالقذافي معدومة، والنقاش الوحيد معه يحصل فقط بعد أن يغادر البلاد، وسيسمح له بمغادرتها سلماً إذا أراد».

ووصف الدباشي وضع القذافي بأنه في غاية الصعوبة، لأنه محاصر من كل الجهات، وبدأ يشعر بالضغط الشعبي المضاعف عليه. وأكد أيضاً أن المقرّبين من القذافي، بمن فيهم أفراد أسرته، «باتوا رهائن ومنقسمين. هناك ثلاثة أبناء هم سيف الإسلام وخميس والمعتصم يودّون المضي قدماً في المواجهة إلى النهاية، لكنّ البقية يفضّلون حلاً سياسيّاً، ويخشون أن ينتهي بهم الوضع الراهن إلى الانتحار أو مواجهة العدالة الداخلية والدولية».


وكانت قناة «الجزيرة» القطرية قد بثّت خبراً مفاده أن الزعيم الليبي عرض على المعارضة المسلحة عقد اجتماع للمؤتمر الشعبي العام للسماح له بالتنحّي بضمانات معينة. ونقلت القناة الفضائية النبأ عن مصادر، ونشرته على شريط الأخبار المستعجلة. ولم تذكر تفاصيل أخرى، قبل أن تشير في وقت لاحق إلى أن «المجلس الوطني المؤقت» رفض العرض.
وقالت «الجزيرة» إن مصادر من المجلس الوطني الانتقالي أبلغت مراسلها في بنغازي أن العرض مرفوض لأنه يعادل خروجاً «مشرفاً» للقذافي و«تنازلاً عن حقوق ضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية». وأضافت أن القذافي أراد ضمانات لسلامته الشخصية وسلامة عائلته وتعهداً بألا يقدموا إلى المحاكمة. وأضافت أن القذافي بعث برئيس الوزراء السابق جاد الله عزوز الطلحي لمقابلة الثوار وليعرض عليهم عقد اجتماع لمؤتمر الشعب العام للاتفاق على التفاصيل.
ويأتي خبر العرض في وقت حذر فيه الساعدي معمر القذافي، في مقابلة مع قناة «العربية»، من أن ليبيا «ستهوي في أتون حرب أهلية إذا تنحّى والده». وأضاف «القبائل كلها مسلحة، وهناك قوات من الجيش الليبي، والمنطقة الشرقية مسلحة أيضاً، فالوضع ليس مثل تونس ومصر». وتابع «الوضع خطير جداً من ناحية الحرب الأهلية. لا بد للقائد من أن يكون له دور كبير جداً جداً في التهدئة الليبية، وإقناع الناس بالجلوس بعضهم مع بعض لبناء المستقبل».
وفي تأكيد للانقسام داخل العائلة، حمّل الساعدي شقيقه سيف الإسلام المسؤولية لإخفاقه في التعامل مع مشاكل الليبيين العاديين. وقال «كان القائد يقول لهم يومياً: أنتم تسيّرون الأمور والميزانية والقبائل والمدن، لكن في أشياء ما تتبعوهاش (لم يتتبعوها)»، مثل عدم حل قضايا كارتفاع أسعار السلع الأساسية التي تهمّ الليبيين.
تطورات تأتي في وقت دخلت فيه المعارك بين السلطة والثوار في ليبيا، أمس، مرحلة جديدة، مع إعلان القيادة السياسية للثورة السيطرة على 75 في المئة من أراضي الجماهيرية، فيما كرّر الزعيم الليبي معمر القذافي تحذيره الدول الأوروبية من تنظيم القاعدة والهجرة غير الشرعية، إذا استمرت الاضطرابات في بلاده. لكن شراسة المعارك الميدانية، التي تمحورت حول منطقتي الزاوية وراس لانوف، واكبتها مناقشات مكثفة داخل أروقة القيادة العسكرية الأميركية، بشأن عدد من المخططات للتعامل مع المسألة الليبية، لعل أهمها مسألة تسليح المعارضة الليبية من طريق السعودية، كما ذكرت «الإندبندنت» البريطانية. بيد أن الخطوات العملية التي تسير قدماً نحو التنفيذ تتمثل في عمليات تحضيرية لتعطيل الاتصالات بين القيادات العسكرية والسياسية والوحدات العسكرية الموالية للنظام الليبي، من خلال إرسال إشارات تشويش من الأجواء الدولية.
الزعيم الليبي الذي لا يزال يستخدم خطاباً يحمل لوماً واضحاً للحكومات الغربية التي كان «شريكاً مهماً» لها في احتواء تنظيم «القاعدة» والمهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا، أعلن في مقابلة مع قناة «فرانس 24» التلفزيونية، أن وسائل الإعلام الدولية نقلت صورة مشوّهة للعنف في ليبيا خلال الأسابيع القليلة الماضية.
وبشّر القذافي بأن الاتحاد الأفريقي سيرسل لجنة تقصّي حقائق ستُظهر أن التقارير عن وجود مشاكل في البلاد عبارة عن أكاذيب.
وانتقد العقيد ترحيب فرنسا بتأليف المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، معتبراً ذلك تدخلاً في شؤون البلاد الداخلية. وقال: «هذا يضحك، هذا تدخل في شؤون دولة، كأننا نتدخل في شؤون كورسيكا أو سردينيا».
واستغرب القذافي تخلي الغرب عنه، وقال: «هذا غريب، كانت علاقاتنا جيدة، ربما كانت مسألة الأمن على مستوى البحر المتوسط، لمنع الهجرة، كذلك لدينا في ليبيا شركات نفطية كبيرة إسبانية وفرنسية، وفجأة نسيت تلك الدول مصالحها». ورأى أن قرار مجلس الأمن الدولي الذي جمّد الأصول التابعة للنظام الليبي لم يأخذ تنظيم «القاعدة» في الاعتبار. وأكد أن «الذين يحملون السلاح الآن في بنغازي هم من القاعدة، ولا مطالب اقتصادية وسياسية لهم. ولا علاقة لهم بما يجري في بنغازي، إنه تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي».
وعن عرض الرئيس الفنزويلي، هوغو تشافيز، القيام بوساطة بين نظامه والثوار، قال القذافي إنه «لا مشكلة داخل ليبيا تستدعي وساطة». وهدد بأن «الشعب سيتعامل معهم (الثوار)»، مؤكداً أن «الناس متعاونون في أي مكان فيه مجموعات كهذه من أجل القبض عليهم».
وفيما واصلت الحكومة الأميركية موقفها الحذر إزاء دعوات التدخل العسكري لفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، تماهياً مع مطلب المجلس الوطني الانتقالي المعارض، تواصلت أمس عمليات نزوح السكان من راس لانوف شرقاً إلى البريقة التي يسيطر عليها الثوار منذ الأسبوع الماضي، وذلك خوفاً من هجوم للقوات الحكومية. واستهدفت غارتان جويتان صباح أمس مرفأ راس لانوف الاستراتيجي النفطي (300 كيلومتر جنوبي غربي بنغازي)، بينما ردّ الثوار بمدفعية مضادة للطائرات.
ونجح الثوار، وهم خليط من شبان لا يملكون خبرة قتالية وعسكريين انضموا إلى المعارضة، في الاحتفاظ بسيطرتهم على منطقة تمتد من البريقة إلى راس لانوف.
ونظراً إلى أهمية موقع الزاوية بالقرب من طرابلس من جهة الغرب، ووجود مصفاة وميناء نفطي حيوي فيها، حاولت كتائب القذافي الاستيلاء على المدينة، التي تسيطر عليها المعارضة منذ الأسبوع الماضي. وقال متحدث باسم المعارضة إن الميليشيات المناهضة للقذافي تسيطر على ساحة الشهداء في وسط الزاوية، وإنها تمكنت من صد هجوم.
وبثّ التلفزيون الرسمي الليبي لقطات لما قال إنها قاعدة عسكرية في الزاوية استُعيدت من سيطرة المعارضة المسلحة يوم الجمعة، بينما مُنع صحافيون من دخول الزاوية ومدن أخرى بالقرب من العاصمة من دون مرافق رسمي.
وذكر موقع صحيفة «ليبيا اليوم» الإلكتروني أن القصف تواصل على منطقة الزاوية، وأن الثوار تمكنوا من تدمير دبابتين تابعتين للكتائب الأمنية لنظام القذافي. وقال الموقع الإلكتروني للصحيفة إن «الثوار في مدينة الزاوية تمكنوا من أسر أحد الجنود الذي اعترف بأن لديهم تعليمات بضرورة استرجاع الزاوية قبل يوم الأربعاء».
من جهة أخرى، أشار الموقع إلى مواصلة «اعتقال الشباب في بن عاشور والمناطق الأخرى من طرابلس». وقال إن اثنين من المعتقلين صُفّيا. وذكر الموقع أن قوات القذافي احتجزت آلاف العمال الأجانب في معسكرات في منطقة ما بين مدينة مصراتة وزليتن ومنطقة أخرى قرب مدينة زوارة، «لإرسالهم بحراً إلى أوروبا، بعدما أعدّ نظام القذافي قوارب لهم، وذلك لإشعار أوروبا بأن النظام الليبي هو الوحيد الذي يكفل منع الهجرة».
في غضون ذلك، أعلن رئيس المجلس الوطني الانتقالي، عبد الحفيظ غوقة، لوكالة أنباء الأناضول، أن المعارضين الليبيين يسيطرون على 75 في المئة من البلاد، مع دخول الانتفاضة الشعبية أسبوعها الثالث. وقال غوقة إن القذافي يسيطر على العاصمة طرابلس بفضل المرتزقة والوحدات الخاصة، مضيفاً أن الثوار سيقضون على وحدات القذافي ويخلّصون طرابلس قريباً. وأشار إلى أن السلطات التركية عرضت عليهم المساعدة، مُرحّباً بالموقف التركي المساعد، وقال إنه طلب من أنقرة أن تعترف بانتفاضة الشعب الليبي وتقدّم الدعم لها.
أمّا المسؤول الإعلامي في حركة المعارضة المسلحة في بنغازي، مصطفى غرياني، فقال إن المعارضين في شرق ليبيا يخشون أن يتصرف الزعيم الليبي مثل «ذئب جريح» ويهاجم الحقول النفطية في البلاد، إذا لم يسع الغرب إلى ردعه بشن ضربات جوية تكتيكية.
وفي ردّ غير مباشر على دعوات المعارضة الغرب إلى التدخل الجوي، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن حلف شمالي الأطلسي يبحث خيارات عسكرية في ما يخص الوضع في ليبيا. وأضاف، عقب محادثات مع رئيسة الوزراء الأوسترالية، جوليا جيلارد في واشنطن، أن البلدين يتفقان على أن العنف الذي تمارسه الحكومة الليبية تجاه شعبها غير مقبول.
وأعلن أوباما أن معاوني الزعيم الليبي يجب أن يحاسبوا على مسؤوليتهم عن أي أعمال عنف قد يتورطون فيها، في إطار قمعهم للانتفاضة على القذافي.
في هذه الأثناء، تتعزز الضغوط على إدارة الرئيس الأميركي لتقديم مساعدات عسكرية للثوار الليبيين وشل حركة الطيران الحربي الموالي للقذافي، غير أن وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، وكبار القادة العسكريين الأميركيين، حذروا من أثر سياسي سلبي، إذا ما هاجمت الولايات المتحدة مرة أخرى دولة مسلمة، حتى لو كان ذلك دعماً لثورة شعبية.
وسط هذه التصريحات، قال وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ، إن بريطانيا وبعض الدول الأخرى تعمل على نحو عاجل بشأن قرار لمجلس الأمن الدولي يسمح بفرض حظر جوي فوق ليبيا. وقال هيغ لأعضاء مجلس العموم البريطاني إنّ ثمة «تقارير موثوقاً بها» عن أن قوات الحكومة الليبية استخدمت طائرات هليكوبتر عسكرية ضد المدنيين، مع سعي المؤيدين لمعمر القذافي إلى قمع الانتفاضة على حكمه.
على الضفة الأخرى، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن بلاده ترفض أي تدخل عسكري في ليبيا. وقال: «لا نؤيّد تدخلاً أجنبياً، ولا سيما عسكرياً في وسيلة لحل الأزمة في ليبيا. على الليبيين أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم».
وفي أبو ظبي، طالبت دول مجلس التعاون الخليجي، في ختام اجتماع عقدته في أبو ظبي، مجلس الأمن الدولي بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، وناشدت نظام العقيد معمر القذافي «الوقف الفوري لاستخدام القوة ضد المدنيين»، معربة عن إدانتها «للجرائم المرتكبة بحق المدنيين».
(الأخبار، أ ف ب، يو بي آي، رويترز)