نيويورك| في وقت لا يزال فيه وضع البعثة الليبيّة لدى الأمم المتحدة معلّقاً، بانتظار وصول الممثل الجديد عن العقيد القذافي، علي عبد السلام التريكي، خلفاً لعبد الرحمن شلقم، أجرى الأمين العام للمنظمة الدولية اتصالاً بوزير الخارجية الليبي موسى كوسا، اتفقا خلاله على إرسال بعثة إنسانية إلى ليبيا، برئاسة وزير خارجية الأردن الأسبق عبد الإله الخطيب. خطوات قد تدلّ على أن المنظمة الدولية وما تمثّله، لا تزال تمسك بالعصى من الوسط في التعاطي مع حكومة القذافي من جهة، ومع الثوار من جهة أخرى.

وإلى حين حسم الصراع على الأرض بالنسبة الى وضع الرعايا الأجانب والقطاع النفطي، فقد تبقى حكومة طرابلس الممثل الرسمي لليبيا في المنظمات الدولية، ربما حتى الإعلان عن حكومة مقابلة تحظى بالاعتراف والدعم الدوليين. بان كي مون أعرب عن بالغ قلقه للقتال الدائر في غرب ليبيا، وطالب السلطات بحماية السكان والامتناع عن استخدام القوة المفرطة بحقهم واحترام القرارات الدولية. وحذّر، في بيان أصدره المتحدث باسمه فجر أمس، من خطورة القتال في غرب ليبيا الذي لا يزال «يزهق العديد من الأرواح ويهدد بالمزيد من سفك الدماء في الأيام المقبلة».
وبعد إعلان تعيين وزير خارجية الأردن الأسبق، عبد الإله الخطيب، مبعوثاً خاصاً له إلى ليبيا، حدد الأمين العام مهمته بأنها «لإجراء مشاورات عاجلة مع السلطات في طرابلس وفي المنطقة في شأن الحالة الإنسانية القائمة وأبعاد الأزمة على نحو أوسع». وسيحضر الخطيب إلى نيويورك في الأيام القليلة قبل السفر إلى المنطقة. وفي عمان، أفاد مصدر مقرب من الخطيب لوكالة «فرانس برس»، بأن مهمة وزير الخارجية الأردني الأسبق «ستكون تنسيق المساعدات الإنسانية الى ليبيا وسبل التوصل الى حل للأزمة في هذا البلد». وأشار المصدر الى أن «الخطيب سيغادر خلال أيام الى نيويورك قبل التوجه الى ليبيا، حيث سيجتمع مع كل أطراف الصراع في ذلك البلد».
وشغل الخطيب منصب وزير خارجية الأردن مرتين، الأولى بين عامي 1998 و2002 والثانية بين 2005 و2007، كما كان وزيراً للسياحة والآثار من 1995 حتى 1996، وهو حالياً عضو في مجلس الأعيان.
ويسود الغموض نتائج العمليات العسكرية، وتختلف الدول النافذة حيال التصرف في الوضع الليبي الذي يزداد تعقيداً، وسط عجز الجانبين: الحكومة والثوار عن الحسم السريع. كما يستمر وجود قرابة مليون من الرعايا الأجانب على الأراضي الليبية. فيما أعربت المنظمات الدولية الإنسانية عن قلقها من انخفاض نسبة تدفق النازحين عبر الحدود التونسية من 10 آلاف إلى أقل من ألفين يومياً. لذا، حرص الأمين العام على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة مع حكومة القذافي. فدعاها إلى الوقف الفوري لـ«الاستخدام غير المتكافئ للقوة، والكف عن شن الهجمات الاعتباطية على الأهداف المدنية». وحذر «من ينتهك القانون الإنساني الدولي أو يرتكب جرائم خطيرة لا بد أن يُساءل». ووجه خلال محادثته مع وزير الخارجية الليبي نداءً وصفه البيان بأنه قوي، «من أجل إنهاء الأعمال العدائية والامتثال التام لقرار مجلس الأمن1970». وحث السلطات الليبية على «احترام حقوق الإنسان الواجبة لشعب البلد بأسره»، وعلى رفع القيود المفروضة على وسائل الإعلام. الحوار الهاتفي مع وزير خارجية ليبيا شمل مناقشة الحالة الإنسانية التي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة بأنها «تبعث على القلق المتزايد، ولا سيما محنة العمال الأجانب». ودعا السلطات إلى كفالة سلامة جميع الرعايا الأجانب وإلى «وصول المنظمات الإنسانية من دون عوائق إلى من هم بحاجة إلى مساعدة». واقترح، في هذا الصدد، أن يوفد فوراً إلى طرابلس فريقاً لتقويم الاحتياجات من المساعدة الإنسانية. وقال، في بيانه، إن الطلب «وافق عليه وزير الخارجية». القلق على الوضع الإنساني دفع منسّقة المساعدات في المنظمة الدولية، فاليري اموس، إلى الإشارة أن أكثر من مليون شخص فرّوا من ليبيا أو موجودين داخلها بحاجة إلى مساعدات. وأوضحت أن بلدة مصراتة، التي يسيطر عليها المحتجون ويعيش فيها 300 ألف شخص، في مقدمة أولوياتها. وشدّدت على وجود حاجة «ملحّة لدخول المنظمات الإنسانية إلى ليبيا الآن. الناس مصابون ويموتون وبحاجة إلى مساعدة فورية».
هذه التطورات عكست مدى الحذر الذي تنتهجه الدوائر الدولية حيال الأزمة الليبية. أزمة يبدو فيها من يحكم قبضته على حقول النفط وموانئها ومنشآتها وعلى الخبراء والرعايا الأجانب، كالقابض على مصباح علاء الدين، يستطيع فرض كلمته. وتشير مصادر دبلوماسيّة أيضاً إلى أن حالة الكر والفرّ السائدة على الجبهات، فضلاً عن غياب قيادة حازمة للثوار تمتلك سياسة خارجية واضحة يمكن التعامل معها، جعل الدول الغربية تحديداً تتردد في اتخاذ مواقف حازمة. وتضيف المصادر إن الدول «ليست رهينة الرعايا الباقين في ليبيا وحسب، بل إنها تخشى أن يقدم العقيد القذافي على تدمير المنشآت والحقول النفطية، مسبّباً عدة أزمات اقتصادية متلازمة في وقت شديد الدقة». فالنفط الليبي الخفيف لا يستغنى عنه في العديد من المصافي الأوروبية. وأي تباطؤ في الحسم من شأنه إطالة أمد الأزمة التي بدأت تسبب ارتفاعاً حاداً في مؤشر الغلاء العالمي مع ارتفاع سعر برميل النفط من مزيج برنت إلى أعلى من 117 دولاراً. مستوى لم يصله منذ أوائل 2008. ثم إن القذافي قد يتمكن من الاحتفاظ بشطر حساس من ليبيا في المعارك الدائرة. وهناك خشية مع حصوله على إمدادات أجنبية وعربية لمواجهة الثوار، مستفيداً من انتشارهم فوق مساحة جغرافية واسعة من دون إمدادات عسكرية وتجهزات كافية ومضمونة. وضع قد يجعلهم عرضة للضربات الجوية والأسلحة الثقيلة البعيدة المدى كلما اقتربوا من العاصمة. وربما يلجأ القذافي إلى استخدام أسلحة غير تقليدية في حال وصول الوضع إلى نقطة اللاعودة. كل ذلك وغيره يبقي الأمور في دائرة الرصد والحذر، فعِبَر الحروب العراقية والأفغانية لم تُمحَ من الأذهان حتى الآن.