تونس | ماذا سيكون مصير دهاليز وزارة الداخلية التونسية وأقبية مخافر الشرطة التي ارتبط تاريخها بماضي الآلاف من السجناء السياسيين التونسيين؟ هل ستمحى ذاكرة أتباع حركات المعارضة التونسية بشتى أصنافها الذين لم يمنع انتماؤهم الاجتماعي إلى صفوة المجتمع، من أن يُنكل بهم شر تنكيل من طرف الشرطة لمجرد تبنيهم لمعتقدات وأفكار لا تروق للنظام السياسي؟ القرار الذي اتخذه وزير الداخلية فرحات الراجحي، أمس، بـ«القطع نهائياً مع كل ما من شأنه أن يندرج تحت منطوق البوليس السياسي من حيث الهيكلة والمهمات والممارسات»، وهو ما يعني إلغاء ما كان يسمى إدارة «أمن الدولة»، هو من أكثر القرارات جرأة بعد تجميد الحزب الحاكم السابق، التجمع الدستوري الديموقراطي.

الفضل الأول لهذا القرار، الذي طالما نادت به حركات المعارضة التونسية، هو للثورة التونسية التي من المؤكد أنها بصدد التخلص نهائياً من إرث الديكتاتوريات السابقة. مطلب حلّ الشرطة السياسية عُد استجابة لنداءات جزء من الرأي العام التونسي، وخصوصاً بعد تعليق اعتصام ساحة الحكومة بالقصبة يوم الجمعة الماضية على خلفية إعلان رئيس الجمهورية المؤقت فؤاد المبزع الدعوة إلى انتخاب مجلس تأسيسي جديد.
والبوليس السياسي التونسي هو من الأذرع المركزية التي مكنت نظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي من بسط سيطرتهما على كامل الحياة السياسية. فهذا الجهاز المتعدد التركيبة تكفّل بمراقبة الحياة الخاصة والعامة لكامل التونسيين، وانتشر أعوانه على كامل تراب البلاد. فلا يخلو أي مخفر شرطة من أفراد شرطة يتبعون هذا الجهاز ويؤدون مهمة «العيون» المراقبة لكل تحركات المواطنين.
ويتكون هذا الجهاز من قسمين. الأول يتبع مباشرة لرئيس الجمهورية، كان يشرف عليه علي السرياطي الذي ألقي القبض عليه فور فرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بتهمة «التآمر على أمن الدولة». «الأمن الرئاسي» يتكون من عناصر في مكتب رئاسة الجمهورية، ورواتبهم تدخل حسابات مصرفيّة بعنوان «رواتب أعوان مكتب الرئاسة»، ويقدر عددهم بـ12 ألف فرد. وهناك قسم سري يسمى «استخبارات الرئاسة» يخضع لرئيس الجمهورية ويراوح عددهم بين 6 و9 آلاف عنصر، يصعب تحديد هويتهم نظراً إلى سرية نشاطاتهم، ويراقبون أفراد الشرطة التابعين لوزارة الداخلية.
أما الأجهزة الأمنية التي تتبع وزارة الداخلية، فهي متعددة ومتشابكة. فهناك «إدارة المصالح المختصة»، التي تضم معظم أعضاء البوليس السياسي، وتراقب أنشطة الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات وتحركاتها. وهناك مصلحة «الاستخبارات» التي تجمع ما يرفعه أفراد الشرطة السياسية من معلومات ومعطيات، لدراستها وتحليلها وتبويبها وتوقع ما قد تتخذه الحركات السياسية من مواقف وبرامج، وهي تعتمد على عدد كبير من المندسين والعملاء الذين تنشرهم لالتقاط الأخبار التي تقوّمها لاحقاً. ويترأس هذا الجهاز كادرات علمية كفوءة لديها قدرات ومهارات عالية في التعاطي مع الشأن السياسي، وهي التي تسطر سياسة الحكومة في التعامل مع التيارات المعارضة. وهي التي تتكفل بترشيح المسؤولين السياسيين في الحكومة، وتوافق على وصول بعض المحسوبين على المعارضة إلى قبة البرلمان.
البوليس السياسي التونسي واكب أيضاً التطورات التكنولوجية، وخصص فرقة لمراقبة شبكة الإنترنت، حيث وظف مئات من التقنيين والخبراء لمتابعة ما ينشر من أخبار وأصداء وتحركات على الشبكة العنكبوتية، ولرفع التقارير عن المواقع الإلكترونية التي تستوجب المراقبة والحجب من الوكالة التونسية للإنترنت، على اعتبارها المشرف الحصري على توزيع خدمة الإنترنت في تونس.
أما أبرز جهاز من حيث العدد، فهو ما يسمى «الإرشاد السياسي» الذي يضم عشرات الآلاف من المخبرين والعملاء المنتشرين في كل مدينة تونسية. ويضم أيضاً أتباعاً من حزب التجمع وأعضاءً من أحزاب أخرى ومندسين في كامل الإدارات الحكومية ومتعاونين من المجرمين والمنحرفين. ويقول المراقبون إنهم يقودون عصابات في تهريب البضائع وترويج الممنوعات، مستغلين رتبهم المهنية للتغطية على أعمالهم. والتقارير اليومية التي يصدرها أفراد هذا الجهاز ترفع إلى «المصالح المختصة» التي توثّقها وتحفظها.
وبالإعلان النهائي عن حل كل هذه الأجهزة، يكون التونسيون قد تخلصوا مما كان يخيفهم في عهود مضت، وما يعوقهم عن النشاط السياسي الحر، ويرفع عنهم التضييقات التي كانوا عرضة لها في ظل الديكتاتورية.
إلى ذلك، أعلن رئيس الوزراء التونسي الانتقالي الباجي قائد السبسي أمس تشكيلة حكومته الموقتة المؤلفة من 22 وزيراً، بينهم خمسة وزراء جدد. وبذلك لم يعد الفريق الجديد يضم أي وزير من الحكومة الأخيرة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي حتى فراره.
واضطر قائد السبسي (84 عاماً)، الذي تولى رئاسة الحكومة إلى أن يعدّل فوراً الحكومة التي ورثها عن سلفه محمد الغنوشي بعد استقالة خمسة وزراء. وكان بين المسقيلين وزيران من الحكومة الأخيرة لبن علي هما محمد نوري الجويني (التخطيط والتعاون الدولي) ومحمد عفيف الشلبي (الصناعة والتكنولوجيا).