صنعاء | «كل عام والمرأة في اليمن أقوى»، كتبت إلهام على صفحتها في «الفايسبوك» مهنئةً صديقاتها بيوم المرأة العالمي. عبارة تأتي في سياق متابعتها لما يجري في «ساحة التغيير» في صنعاء، هي التي شُغفت بثورة الشباب من أيامها الأولى، وانعكس ذلك على مواكبتها اليومية للثورة، والتكفل بنقل أهم أخبارها أولاً بأول.

ومثلما تُشغل إلهام بـ «الثورة»، يأتي اهتمام نساء كثيرات تحوّل أمر ذهابهن إلى تلك الساحة طقساً يومياً بصحبة أطفالهن وأفراد آخرين من الأسرة. حال لا يمكن فصلها عن أمل بدأ يتنامى تدريجاً لدى نساء اليمن بجدوى هذه الثورة الشابة. وقد يبدو هذا الأمل مضاعفاً لدى النساء، إذ لعلّ هذه الثورة تعمل على نقلهن إلى مربع آخر ومستوى متقدم عن وضعهن الحالي، الذي لا ينفصل بالضرورة عن حياة عامة اليمنيين، الذين يرزحون تحت كابوس علي عبد الله صالح.
لذلك لم يكن مستغربا أن يكون مستوى حضور المرأة في «ساحة التغيير»، على قدر يعكس صورة رمزية للرغبة العامة في صنع ذلك التغيير، والعمل على إزاحة ذلك الرجل الذي بقي 32 عاماً في الحكم، لم يفعل خلالها سوى تكريس صورته وحدها، حتى بات العالم لا يرى من اليمن غيرها.
وفي السياق، تقول فاطمة أحمد، أستاذة التاريخ في إحدى مدارس البنات في صنعاء، «المشكلة أن العالم يعتقد أن كل اليمنيين صورة طبق الأصل من علي عبد الله صالح، وهذا أكبر ظلم لليمني»، قبل أن تضيف «إن هذه النقطة وحدها تكفي لمحاكمته». ورغم نبرة الدعابة الموجودة في حديثها، تعكس شكوى فاطمة جانباً من حقيقة اعتقاد عدد كبير من غير اليمنيين، بأن «اليمنية السعيدة» تتكلم بنفس لهجة رئيسها وطريقة خطابه العبثي.
لذلك لا غرابة في أن نسمع أحدهم يسأل نفسه: إذا كانت حال خطاب رئيس اليمن بائسة هكذا، فكيف الحال بمواطنيه. وقد يكون نفس هذا الخطاب دافعاً للكثيرين إلى عدم تصديق أن الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، المدير الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الدول العربية، هو سيدة يمنية تدعى أمة العليم السوسوة، التي تبوّأت المنصب بمجهود شخصي بحت، من دون أن ينفي ذلك حقيقة تعرض المرأة اليمنية لحياة بائسة، إذ تقع بلادها في قائمة الدول الأعلى نسبةً في وفيات المواليد أثناء فترة الرضاعة، أو وفاة النساء أثناء الولادة بسبب الزواج المبكر. مآسٍ لا تلغي صورة أخرى جيدة عن المرأة. يمكننا بسهولة العثور على تلك الصورة المغايرة في «ساحة التغيير» في صنعاء، كما نجدها في «ساحة الحرية» في مدينة تعز (جنوب صنعاء)، وعدن وغيرها من المدن اليمنية، حيث تحضر ربة المنزل إلى جوار الصحافية والأستاذة الجامعية والباحثة في العلوم الاجتماعية والموروث الشعبي، كما الشاعرة والفنانة التشكيلية.
نجد الجميع مساهماً بطريقة أو بأخرى في سياق هذا الاعتصام بالحضور المجرد، أو بالمشاركة الفعلية في قلب البرنامج اليومي. فهناك مشاركة فاعلة لأروى عثمان، الباحثة في الموروث الشعبي، وصاحبة أهم مركز في اليمن يعمل على حفظ وتوثيق التراث الشعبي، وهي أديبة لها أكثر من مجموعة قصصية.
تحمل أروى كاميرتها الفوتوغرافية مساء كل يوم مصطحبةً بناتها الثلاث لتسجل حضورها في ساحة الاعتصام، وحريصة على إتاحة الفرصة لعدستها لالتقاط عشرات الصور من هنا وهناك، لنجد على صفحتها الشخصية في «الفايسبوك» ملخصاً مصوراً لما حدث في ذلك اليوم. أروى لا تنسى، في كل مرة تقابل فيها شخصاً تعرفه في الساحة أن تقول له، بلهجة قروية جميلة «سلمية، سلمية»، في تأكيد مستمر منها على روح هذه الثورة الشابة.
أمّا نادية الكوكباني، الأديبة وأستاذة العمارة في جامعة صنعاء، فلا تتكاسل عن الحضور يوميّاً إلى الساحة مساهمة بطريقتها في إثراء الاعتصام، من خلال تنظيم ندوات علمية تقام في إحدى الخيام المنصوبة، إضافةً إلى استضافة أدباء وشعراء محليين لإلقاء بعض من جديد نتاجهم الأدبي.
ولا غرابة في أن نجد عدداً كبيراً من ناشطات المجتمع اليمني مسجّلات حضوراً لافتاً في الساحة. حضور يتماشى مع طبيعة عملهن والأهداف التي يناضلن من أجلها، ويأتي هدف هذا الاعتصام في صلبها. فحضور أمل الباشا، رئيسة منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان، والناشطة في مجالات عدة، من أهمها الوقوف ضد ظاهرة الزواج المبكر والاعتداء الجنسي والعنف الأسري، يتجاوز حدود الساحة ليصل إلى خارجها عبر التعبئة الإيجابية التي تقوم بها من خلال اتصالاتها بطرق شتى لحشد مزيد من الدعم المعنوي والمادي للموجودين في الساحة، وكذلك تنظيم مسيرات نسائية منتظمة خارجها للمطالبة بدعم هذا الاعتصام والوقوف إلى جانبه، حتى يتمكن من الحصول على الهدف الذي أُقيم من أجله.
وعن انطباعاتها، تقول أمل «الطريقة السلمية التي اختارها هؤلاء الشباب وسيلة للتغيير تجعلنا نرفع لهم القبعات احتراماً وتقديراً، ولذلك لا ينبغي أن نخذلهم».
ولا يقتصر الدعم النسوي الهادف إلى إعطاء هذه الثورة الشبابية استمراريتها على الوجود الفعلي في الساحات فقط، بل يتمثل أيضاً في حالات الدعم من خارجه وعلى مستويات عدة، لعل أبرزها ما قدمته أم الصبي هائل وليد هلال (15سنة)، وهو أصغر ضحية سقطت في يوم الجمعة الدامي في منطقة المعلا في مدينة عدن، حيث رفضت والدته تسلّم مبلغ عشرة ملايين ريال وراتب شهري، مقابل التنازل عن قضية رفعتها لمحاكمة من أمر بإطلاق النار على ابنها، ما مثّل دفعة معنوية كبيرة لرفاقه لمواصلة خروجهم الاحتجاجي السلمي حتى وصولهم إلى هدفهم.
لا يمكن أيضاً إغفال دور ربات البيوت ومشاركتهن في دعم الثورة. ففي الأسبوع الماضي، أرسلت قرابة المئة ألف كعكة إلى الشباب المعتصم، مصنوعة منزلياً في منطقة الحدا ذمار (جنوب صنعاء)، وهي واحدة من أكثر المناطق القبلية التي يُعرف أبناؤها بحدة الطباع والشراسة.
ويرتبط هذا «الكعك»، بأكثر من دلالة في الوعي اليمني، أولاها ارتباطه بهدايا الأمهات إلى أبنائهن المضطرين إلى السفر لغايات مختلفة. أمّا على مستوى الوعي السياسي، فقد ارتبط «الكعك» بحرب صيف 1994 بين القوات الجنوبية والقوات الشمالية التي انتهت بانتصار الشمال، وتمكين الرئيس صالح من الاستيلاء على أرض الجنوب كلها. وكانت النساء في الشمال يصنعن الكعك ويعمدن إلى الكتابة عليه بالعجين قبل وضعه في النار عبارات حماسية تدفع بالجنود إلى إتمام المعركة و«تثبيت الوحدة الغالية». لكن الأمر هذه المرة اختلف، إذ عمدت النسوة إلى كتابة عبارة واحدة على كعكهن، ومختصرة بكلمة واحدة هي «ارحل»، في محاولة على ما يبدو من نساء الشمال للتكفير عن خطيئة دعمهن جيش صالح بالكعك في تلك الحرب، والمساهمة هذه المرة في عملية إزاحته عن كرسي الحكم.




فخورة بهم

أستاذة الأدب الإنكليزي وفاء مقبل تروي شهادتها عن اعتصام ساحة التغيير بالقول «صحوت على صوت رعد ومطر فجراً، أنا التي تسكن بالقرب من مكان اعتصام شباب التغيير. ذهب بي تفكيري إلى تلك الساحة متسائلة: لماذا يصر هؤلاء الشباب منذ ما يقرب من الشهر على الإقامة في خيام متهالكة لا تقي شمساً ولا مطراً؟ لماذا لا يركنون إلى حياة الراحة السهلة؟ فهم يمكنهم أن يوقفوا الآن اعتصامهم هذا، ويقبلوا مفاوضة من يهمه إنهاءه مقابل حصولهم على ماديات عُرف الحاكم بموهبة صرفها وتوزيعها؟ كما سيمنحهم فض الاعتصام إنهاء حالة خطر تهدد أرواحهم في كل لحظة؟ كيف يستطيعون مواجهة كل هذا بصدور عارية، وهل هناك أغلى من الحياة. أسئلة عرفت إجاباتها عندما نزلت بينهم، ورأيت الإيمان الذي يتسلحون به، وعدالة الفكرة التي يناضلون من أجلها. لقد أعاد إلينا هؤلاء الشباب شعورنا بكرامة كانت مفقودة، وأعطونا أملاً بأن غد اليمنيين سيكون أجمل. لذلك أنا فخورة بهم».