بنغازي| مع ساعات ما بعد الظهيرة المتقدمة، يهاجم البرد أطراف الصحراء الليبية آتياً من البحر، وكلما تقدّم المساء خرج الصقيع من الصحراء، ليجمد أيدي المقاتلين الليبيين في نهاية أرض شرق البلاد. مع الصقيع الكبير في الصحراء، تهطل الأمطار في عاصمة شرق ليبيا، بنغازي، ويستبشر بها السكان خيراً. لكن في الصحراء، القتال شأن آخر. في الليل تقف شاحنات كبيرة محمّلة بالطعام، لا أحد يعرف على وجه اليقين أين يُطهى، ويتوزع المقاتلون وجبات المعكرونة باللحم والدجاج والصلصة الحمراء.


«الخير واجد (الخير كثير)»، يقول أحد الضباط المتطوعين لقيادة الهجمات على بن جواد وسرت، وهو ضابط نظامي في قوات الصاعقة ويقود خريطة عمليات التقدم على محاوره القتالية، لكن الخير الكثير الذي يغدق على المقاتلين المتطوعين وعلى القوى النظامية المنضمة الى الثورة لا يكفي للانتصار، وليست الروح المعنوية العالية وحدها عامل حسم في ثورة حوّلها الزعيم الليبي بسرعة الى حرب محاور، كتلك التي سبق أن خاضها في تشاد في الثمانينيات من القرن الماضي.

جبهات ومتطوعون

في الجبهات القتالية، الوضع أقل انتظاماً من الداخل الشرقي. ففي الداخل، سواء في المدن أو في القرى الشرقية التي تمثّل نحو نصف البلاد، باتت المناطق تعيش حياة طبيعية، ويسمع القائد العسكري لقوات الثوار عن أخبار المدن وهو في موقعه المتقدم. «كل شيء بخير والمناطق لا ينقصها أي شيء، وكل ما يريده السكان متوافر، ربما تنقصهم المرابع الليلية»، يقول القادم بالأنباء للعقيد المقاتل، فيضحك الأخير، وينظر الى ضباطه المحيطين به، وهو يقول «نقسم بالله، لن نتراجع حتى تصبح طرابلس حرّة كبنغازي».
ما يسمّونه هنا المجلس، أو القيادة السياسية للبلاد، يتواصل مع القيادة العسكرية عبر زيارات خاطفة لبعض الأعضاء الى المقارّ السرية للقيادة العسكرية. بدأ بعض القادة الليبيين بالتنبه الى مخاطر القذافي التقنية، وصار البعض يزيل البطاقات من الهواتف عند التنقل أو عقد الاجتماعات.
الجبهة الأخرى، الموالية للقذافي، نبّهت الثوار الى قدراتها، على قاعدة فضح ممارسات المجلس، واستعراض العضلات. فراحت تبث على إذاعة الجماهيرية تسجيلات لمكالمات هاتفية حديثة جرت بين مصطفى عبد الجليل، الذي يمثل الرئيس المؤقت للمجلس الوطني، وبعض من زملائه، وبين عبد الجليل والسفير البريطاني في طرابلس الذي هو حالياً في لندن، والذي اتصل ليطالبه بالإفراج عن المجموعة الأمنية البريطانية التي تسللت الى شرق البلاد منذ أيام، واعتقلها الثوار. وخلال المحادثة، يؤكد البريطانيون أن هذه المجموعة ما هي إلا فريق دبلوماسي ارتكب الثوار خطأً غير متعمد باعتقاله.
هذه الأنباء، التي تصل من إذاعة الجماهيرية في طرابلس، لا تعدّل في مزاج الثوار. وعلى جبهات القتال وفي مواقع الدعم، من مشارف راس لانوف الى العقيلة وبريقة، تسمع صرخات «الله أكبر» كلما تردد أن طائرة سقطت، أو حوصرت مجموعة من قوات القذافي، أو أن مقاتلي الزاوية في الغرب أحرقوا دبابة. وهذا المزاج نفسه ينطبق على ضباط الصف والمقاتلين النظاميين.


وبدأت القوات التابعة لطرابلس بالقيام بعمليات خاطفة على تخوم قوات الثوار. ويروي القادمون، لدى توقفهم على نقاط العبور عند مشارف بن جواد، عن مهاجمة قوات القذافي منازلهم في نواح مختلفة من المناطق التي تشهد تقدماً للثوار أو كرّاً وفرّاً. وترصد القوات المشاركة في الثورة بعض الإنزالات لقوات تابعة للقذافي في نواح بعيدة جنوب مواقع الثوار، تجري عبر مروحيات ثم لا تلبث هذه المروحيات أن تستعيد جنودها وترحل.
والمزاج العام لا يزال هو نفسه في الاندفاع الى المشاركة في الثورة، طلاب جامعيون وأبناء قرى، وعاطلون من العمل، جميعهم يتوجهون الى البريقة، وبعض الأنحاء الأخرى، حيث تتمركز القوات المقاتلة. وفي كل ساعة تسمع أحد الضباط الميدانيين يقول عبر الهاتف «حين تحصلون على البنادق يمكنكم الالتحاق بالقوات الثورية، لكن لا تأتوا من دون بنادق». ويتحايل الشبان على الأوامر، فيصلون أحياناً ببنادق الصيد، وببنادق من الحرب العالمية الأولى (M1).
ولكن ضُبط جزء من الفوضى التي كانت تسود الميدان، وهي ناتجة أولاً من الحماسة الكبيرة، وثانياً من فرار المئات من الضباط منذ الأيام الأولى للثورة، خوفاً من رد فعل الثوار على ارتكاباتهم أو لعدم ثقتهم بأن الثوار سيحسنون معاملتهم ببساطة، فيما بقي الى جانب الثوار عدد قليل من ضباط الجيش وعسكريّون من ذوي الرتب الأدنى والجنود. وبات بين صفوف جيش الثورة، أو جيش الشعب، عدد من المقاتلين المنضبطين نظامياً، الذين يخدمون تحت قيادة عقيد من قوات الصاعقة (النخبة في الجيش الليبي النظامي).
هذه القوات النظامية الصاعقة، التي رغم كونها من قوات النخبة لم تكن محل ثقة الزعيم القذافي، تفصل نفسها عن آلاف المتطوعين باختيار مواقع تمركز بعيدة نسبياً عنهم، وبالحفاظ على الزي النظامي، لكنها أسقطت من حساباتها نظام الخدمة والإجازة، إذ يكفي لأي عنصر إبلاغ من هو أعلى منه رتبة نيته المغادرة ليوم أو يومين حتى يحصل على موافقة فورية شفهية بالرحيل. وصار التعامل بين الضباط والعناصر يتسم بالكثير من العفوية.
ومع تسلّم هذه القوات جبهة المواجهة، أرسلت مع بعض المتطوعين من يخبر المقاتلين المتحمسين الحاجة إلى تنظيم صفوفهم استعداداً للمعارك المقبلة، وأن الأمور لن تسير عشوائياً، وأن عليهم المساعدة في خدمة الأسلحة والوحدات المختلفة، وأن على كل مجموعة أن تختار قائدها بنفسها وترسله الى قيادة القوات للتفاهم معه على أسلوب العمل. وهو ما لاقى صدى مباشراً لدى الشبان المتطوعين، فاختفت تقريباً الرمايات العشوائية، التي تطلق عند ورود نبأ مفرح أو محزن، وتفرقت المجموعات على محاور ومناطق مختلفة بعدما كانت تحتشد في نقطة واحدة تقريباً.
ومع تبدل الطقس بين حار صحراوي وصقيعي وماطر وعواصف رملية، يعتقل الثوار المزيد من المندسّين في صفوفهم من أعضاء اللجان الثورية التابعة للقذافي. ويعاني هؤلاء عدم التفات المجلس الانتقالي الى تنظيم أوضاع اللجان لتصفية أعمالها وتوقيف أعضائها، بينما عليهم أن يأخذوا الحيطة من كل متطوع أثناء عملهم على الجبهات لتنظيم صفوف مقاتليهم. ففي العقيلة، يخبرك أحد قادة الثوار عن اعتقال 3 من أعضاء اللجان واعترافهم بإرسال معلومات الى قوات القذافي المرابطة في سرت، وأن الأمر يتكرر يومياً.

النفط والاستقرار

من بديهيات الأمور أن قوات القذافي وأجهزة أمنه وطاقمه السياسي كلهم سيخوضون أي معركة متاحة، وسيطرقون أي باب في سبيل الانتصار، وخصوصاً أن القوى الثورية تمكنت من الإمساك بمعظم المرافق النفطية، من حقول تصدير ومرافئ مختصة بتصدير النفط الخام واستيراد النفط المعالج ومشتقاته.
فليبيا التي تنتج النفط الخام الخفيف المصنف من ضمن الأغلى في العالم، تستورد المشتقات النفطية من إيطاليا خصوصاً، وتستهلك على سبيل المثال أنواعاً متوسطة منه، إذ لا يتوافر في ليبيا إلا بنزين 95 أوكتان، وقس على ذلك من مشتقات، بما فيها الأبسط كالنايلون ذي النوعيات الرديئة.
ومع سيطرة الثوار على المناطق النفطية والمرافئ المصدّرة للنفط، وانتشار قوات الجيش الثوري فيها، وتأمينها، أصبح بإمكان هؤلاء مفاوضة الغرب من موقع مريح نسبياً، وتوقع الدعم الغربي لهم، ولم يعد الحصول على السلاح الحديث ببعيد أيضاً، إذا أراد الليبيون ذلك، واللطف الزائد الذي يظهره الغربيون الآن يرتكز دائماً على حصول الثوار على مفتاح القلوب: النفط.
وهذا السبب نفسه الذي سيدفع بالعقيد القذافي الى الاستشراس بالقتال حالما يطمئن الى أن جبهته الغربية، وخصوصاً في الزاوية والزنتان قد جرى تطهيرها من الثوار، وسيتجه شرقاً، لكن النفط لا يعني الكثير لضباط الجيش المنضمين الى الثوار، وهم يقولون إن ممارسات القذافي كلها كان يمكن التغاضي عنها، وأن السرقات والنهب الرسمي المنظم للموارد أمر معتاد في المنطقة العربية، وأن القمع الذي يتعرض له أي مواطن معارض أمر مألوف في الدول العربية، سواء قلّ إجرام بعض الحكام العرب أو اشتدّ، لكن ما لا يستطيع ضباط الجيش الليبي قبوله هو إطلاق النار عشوائياً على الشبان والصبايا والاستعانة بقوات مرتزقة.
ومن هذه النقطة، التي بدأت أيام الثامن عشر والتاسع عشر من شهر شباط حتى اللحظة، تراكم لدى ضباط الجيش وجنوده ما يكفيهم من كراهية للعقيد، مضافة الى ما تجمّع لديهم، كما لدى أي من أفراد الشعب الليبي، ليقسم معها الجنود وضباطهم بألا يعودوا الى ثكنهم قبل الوصول الى طرابلس وإسقاط العقيد. وهنا لا بد من الإشارة الى أن أهم الضباط وأعلى الرتب في القوات النظامية، التي تتقدم الثوار، هم من الغرب لا من شرق ليبيا.
وكل يوم يتكشّف عامل جديد أسهم في انتفاضة الليبيين على عقيدهم الأب، الذي خلف في عقول الليبيين عطباً عميقاً. ويروي بعض المنتفضين عن اليوم الأول حين تمردوا على سلطة «الأب القائد» واكتشفوا في أنفسهم الجرأة بعدما كانوا لا يرونها إلا في أطفال الحجارة في فلسطين، وفي المقاتلين في صفوف المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل. وفي لحظة الثورة، اعتلى المنتفضون الدبابات المحروقة، وصرخوا كما اعتادوا أن يصرخوا «تعيش ثورة الفاتح» قبل أن ينتبهوا لأنفسهم ويصرخوا «الشعب يريد إسقاط النظام».
واليوم يخبرك التجار عن العطب الذي أحدثه نظام حكم اللجان الشعبية في المجتمع الليبي، حيث كبار التجار ورجال الأعمال المتوسطون انضموا من اللحظة الأولى إلى الثورة، وأمدّوها بكل ما تمكنوا من الحصول عليه، حتى إن بعضهم أصبح يقود مجموعات من المتطوعين في الميادين، وترك أعماله وبات يعمل على تنظيم القوى وإمدادها بما يلزم.
ويخبرك أحد رجال الأعمال الموجود في منطقة عقيلة أن أعماله كانت تسير بخير، لكن كل الأعمال في ليبيا لا تعرف الاستقرار الضروري للأعمال، إذ يكفي أن يغضب أحد أركان النظام أو أعضاء اللجان الثورية على أيّ من أقربائك، حتى تجرّد من كل شيء، كما أن الخضوع للسلطة ضروري للحصول على تلزيمات ومواصلة النجاح في العمل، كذلك فقدان كل ما تملك في أي لحظة هو أمر طبيعي في ليبيا، ولا ضرورة لهدر المال في المحاكم، إذ إن النتائج مبرمة سلفاً.
والضريبة المرتفعة في الخضوع للنظام مرهقة بالنسة إلى كثير من رجال الأعمال، إذ لا تنتهي مطالب اللجان الثورية أبداً، فهي تبدأ بالانتساب وتقديم تقارير دورية للجان عن أحوال كل المحيطين، وصولاً الى الخدمات المتعددة نوعاً وكلفة. أضف الى ما تقدم أن روح الانتماء القبلي لا تزال تنبض في عروق الليبيين، وهي كانت دائماً تشير إليهم بأن الأمور ليست على ما يرام، وأن ظلماً لحق بأبناء القبائل المتنوعة في هذه البلاد الصحراوية الأجف والأشد حرارة على كوكب الأرض.