صنعاء | في مخيّمات الاعتصام المقامة حالياً في العديد من المناطق اليمنيّة، مثل ساحة «التغيير» أمام جامعة صنعاء الجديدة، وساحة «الحرية» في مدينة تعزّ وغيرها من الساحات في عدن وإب والحديدة، تنتشر الشعارات التي تطالب الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بالرحيل.

وإذا ما نحّينا جانباً شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» الذي انطلق من تونس وغدا أيقونة للثورات العربية اللاحقة، لم تُتح للشباب اليمني فرصة التقاط بعض شعارات الثورة التونسية.
في المقابل، ظهرت الشعارات في بداية الثورة اليمنية كأنها استفادت كثيراً ونهلت من ثورة الشباب المصرية وشعاراتها، وخصوصاً بعدما سهّل الإعلام الحديث وشبكات التواصل الاجتماعي وصول تلك الشعارات إلى الثورات اللاحقة.
أُخذت الشعارات من ثورة النيل في البداية كما هي، دون تعديل، باستثناء الأسماء المصرية وإبدالها بأسماء يمنية كي تناسب الحالة الخاصة بها، ثم ما لبثت شعارات الثورة اليمنية أن تطورت حتى أخذت شكلها الخاص مع تقدم عمر الثورة، فطُعّمت الشعارات بنكهة محلية يمنية، خلقت أداة وصل بين الأحداث الجارية وعبارات محلية شهيرة ومتداولة على ألسن العامة.
لكن التطور الأكبر في تلك الشعارات حصل بعد إقرار إقامة الاعتصام في الساحة الشهيرة أمام جامعة صنعاء الجديدة التي سُميّت لاحقاً ساحة «التغيير». فعامل الثبات والإقامة في مكان مستقر يمنح الشعارات ثباتها، ويعطي المتابع فرصة لالتقاطها ومشاهدتها باستمرار، ومن هنا فاعليتها.
وتكاد الدعابة تكون السمة الأبرز والأكثر شيوعاً في تفاصيل هذه الشعارات، وتعكس حالة هدوء يمنية تأتي دائماً مصاحبة للفترات اللاحقة لـ«المقيل» (مضغ نبتة القات أو تخزينها)، حيث تجد الدعابة فرصة للتكوّن والانتشار.
بدايةً، لا يمكن القفز على شعارين هما دعامتا شعارات هذه الثورة الشابة، أولهما «الشعب يريد إسقاط النظام»، الذي يقترب فعلاً من تكوين حالة خاصة حتى على ألسنة الجماعات الموالية للرئيس علي عبد الله صالح لكن في اتجاه آخر. إذ يُستخدم هذا الشعار في نصفه الأول للتعبير عن حالة احتجاج لدى البلطجية على تأخر وجبات الأكل أو المبالغ المالية التي تُصرف للأفراد الذين تتلخص مهماتهم في مهاجمة أماكن تجمّع الشباب المحتجّين أو الصحافيين ورجال الإعلام، فتُطلَق عبارة «الشعب يريد...» من دون نطق المقطع الثاني «إسقاط النظام»، فيفهم القائمون عليهم أن موعد المطلوب قد تأخر. وقد أصبحت مثل هذه المواقف متكررة ومنقولة للمعسكر الثاني لتصبح مثار التندر والسخرية.
كذلك نجد عبارة «ارحل» المنتشرة في كل مكان. مفردة واحدة فقط تُردد بما هي علامة توقف أو استراحة بين فترات ترديد الشعارات الأخرى. يقول الشاب الممسك بالمذياع على المنصة: «إإإإإإإإإإإرحل»، مادّاً حرف الألف في الكلمة عمداً دلالةً على إصرار الشباب وتأكيدهم مطلبهم، وأن لا تراجع فيه، ليردّ عليه الشباب الواقفون أمام المنصة بأعداد كبيرة: «إإإإإإرحل».
يصمت الشاب في حركة تظهر استغرابه من عدم سماع صوت الرئيس علي صالح مستجيباً للمطالب، ليعود إلى ترديد «ارحل» ويجاريه في ذلك المعتصمون. وبينما تبرز مفردة «ارحل»، المنطوقة والمكتوبة بكثرة في مساحات كبيرة على جدران المخيم وعلى وجوه الشباب والأطفال القادمين مع أسرهم، نجد شعارات أخرى تظهر فيها سمة الابتكار المخلوطة بالدعابة، فمثلاً نرى عبارة «ارحل ..أشتي (أريد) عقلي يرجع لي» مكتوبة على صورة رجل أشعث تبدو عليه سمات مَن فقد عقله.
كذلك نجد شعارات تتسم بسرعة البديهة والتقاط تطورات ما يجري من أحداث وإعادة تلخيصها وتطويعها على هيئة شعار جديد، فنجد مثلاً أنه بمجرد ورود خبر تقديم الرئيس صالح اعتذاره عن الكلام الذي قاله بعدما اتهم البيت الأبيض بإدارة الثورات العربية الشابة، التقط الشباب الخبر وصاغوه على هيئة شعار يقول: «خزّيتنا يا علي... أين أميركا... أين طلي»، وهو شعار يلخّص مسألة إقدام الشخص على أمر لا يقدر على تحمّل عواقبه.
وفي لوحة أخرى، تظهر صورة الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز وقد كُتب عليها ما يشبه الرجاء «يا ملك يا عبد الله... باقي لك علي عبد الله»، تقابلها لوحة أخرى تتضمن صورة شقة فاخرة في جدّة معروضة للبيع، ومن مميزاتها أنها تقع إلى جوار شقتَي محمد حسني مبارك وزين العابدين بن علي، فيصبح من السهل تلمّس الحساسية اليمنية المتناقلة من كل ما له علاقة بالمملكة العربية السعودية، الدولة أو «الشقيقة الكبرى»، التي لم تتوقف، بحسب اعتقاد كثيرين، عن التدخل في الشؤون اليمنية وتعكير صفو حياة أهلها. لكن هذا لا يمنع تمنّي الشباب على الملك السعودي أن يمحو بماله ما سبق، وذلك بتقديم عرض سعودي يتمثّل في استضافة الرئيس صالح، وضمان حياة كريمة له برفقة زميليه السابقين.