لم يجد الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، أمامه، بعدما بات يشعر بأن الخناق يضيق أكثر من حوله، سوى فرض انعقاد مؤتمر وطني للحوار، تزامناً مع قراره اللجوء إلى الجيش، موعزاً إليه بالانتشار حول القصر الرئاسي وميدان التغيير، أملاً بأن يكون الحصن الحامي له، بعدما خسر ورقة الدعم القبلي والديني، بفعل أخطائه المتكررة التي جعلت أوثق حلفائه السياسيين يتخلّون عنه، وينضمّون إلى المطالبين بإسقاطه.

المؤتمر الوطني المزمع عقده اليوم لحل الأزمة اليمنية، لا يبشر بأي نتائج إيجابية تسهم في تخفيف حدة التوتر والاحتقان في البلاد، بعدما وصل الحوار بين السلطة والمعارضة، بمختلف أطيافها، إلى حائط مسدود، عززه لجوء صالح إلى العنف لمواجهة تمدد الاحتجاجات المطالبة بإسقاطه.
ومنذ اللحظة الأولى لإعلانه، لاحقت صفة الفشل المؤتمر الوطني، بعدما بدا واضحاً أن حضوره لن يتخطى حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم والأحزاب الديكورية التي تدور في فلكه، بعدما استبقت المعارضة انعقاده بتأكيد رفضها المشاركة فيه، ووصفته على لسان القيادي فيها، محمد الصبري، بأنه بمثابة «إعلان وفاة النظام بعدما كان ميتاً سريراً. ولذلك، فإن أي مقررات أو حلول ستصدر عنه لن تكون سوى مقررات الحزب الحاكم»، وسط معلومات عن سعي النظام إلى الحصول على موافقة المشاركين في المؤتمر، الذي يفترض أن يضم أعضاء مجلس الشورى والنواب والمجالس المحلية، لإعلان حالة الطوارئ في البلاد، رغبةً منه في إطلاق يده للقضاء على المحتجّين، بعدما فشل البلطجيّة في هذه المهمّة.
كذلك لا يمكن فصل الدعوة إلى المؤتمر عن محاولة السلطات إيهام المجتمع الدولي، الذي يراقب عن كثب ما يجري في البلاد استعداداً لانعقاد «مؤتمر أصدقاء اليمن»، بأنها تسعى إلى حل الأزمة بالحوار، مقابل إبراز الطرف الآخر على أنه المعرقل برفض الجلوس إلى الطاولة مع النظام للتباحث بشأن حلول سياسية للأزمة. وهو ما دفع وزير الدفاع اليمني، اللواء محمد ناصر أحمد، إلى دعوة أطراف العمل السياسي إلى تحكيم صوت العقل والحكمة، وتجنيب اليمن ويلات الفتنة، وتفويت الفرصة على المتربصين والساعين إلى تمزيقه، والقضاء على كل المنجزات التي تحققت.
ولفت أحمد إلى أن «الأوضاع التي يمر بها الوطن العربي، والمؤامرة الكبيرة للسيطرة على ثرواته من خلال إشاعة الفوضى وزعزعة أمن الشعوب واستقرارها»، دون الأخذ في الحسبان أن مشاكل اليمن التي وضعته في مصاف البلدان الفاشلة، إنما هي نتاج لسياسات خاطئة ارتكبها النظام الحاكم، لتنتفي الحاجة بفضله إلى أي مؤمرات خارجية لإضعاف اليمن.
وعلى الخط نفسه، روّج الإعلام المحسوب على النظام للقاءات عقدتها لجنة وزارية، برئاسة رئيس الوزراء اليمني، علي محمد مجور، مع ممثلين عن الشباب اليمني، ومن بينهم المعتصمون أمام جامعة صنعاء، نوقشت خلالها مطالب الشباب في مجال الإصلاح السياسي، في الوقت الذي كان فيه ممثلو الشباب يعلنون تبرؤهم من أي اجتماع مع السلطة، مؤكدين أن محاوري اللجنة الوزارية ليسوا سوى طلاب منتمين إلى الحزب الحاكم.
والسعي إلى الحوار مع الشباب تبيّن أنه لم يكن ببعيد عن رغبات السفارة الأميركية في صنعاء، التي خرج أمس سفيرها جيرالد فايرستاين، ليؤكد أنه «ينبغي إدماج الشباب في منظومة العمل السياسي باعتبارهم بناة الحاضر والمستقبل»، وذلك بعدما رأى أن إسقاط النظام «لا يحل الإشكالات والتحديات التي تواجه اليمن في الوقت الراهن».
كذلك رأى السفير الأميركي أن «السبيل الأمثل لحل مشاكل اليمن يتمثل بالحوار، لا بالتظاهرات»، في إشارة واضحة إلى أن الولات المتحدة غير مستعدة حتى اللحظة للتخلي عن حليفها الوثيق علي عبد الله صالح، على الرغم من تزايد الضغوط الشعبية والسياسية عليه للتنحي عن الحكم. ورأى فايرستاين أن «مبادرة صالح في الثاني من شباط الماضي تؤسّس لحوار، تجنّباً لاحتمالات الانزلاق نحو العنف».
هناك أسباب إضافية لفشل المؤتمر، منها أنه يصب في اتجاه تقسيم المجتمع اليمني، وزيادة الاستقطاب بين أطرافه. لكن أوساط المعارضة ترى أن الفشل سيضع النظام في خانة المعزول، وسيظهر أنه من دون غطاء شعبي، ولا يقف في صفه سوى بعض الهيئات التي تدور في فلك أصحاب المصالح والأطراف المستفيدة من النظام.