معركة جديدة للثورة، هذه المرة ليست مع الجزء الظاهر من التمساح، لكن مع الجزء النائم تحت السطح. الثورة لا تزال طرية، عودها تثقله المعارك والحروب. في موقعة «الجمل»، انتهت أسطورة البلطجية، سلاح النظام السري، وقوته الكاتمة للصوت والحركة. يخرجون من مخابئ يديرها ضباط رسميون، ليحسموا المعارك، لكنهم كانوا يقتلون بلا عقل، ولا هدف محدد، فالثورة أكبر من خبرتهم في حروب الشوارع.

فلول البلطجية قادت أمس معركة خروج التمساح، تجمعت تحت علم الطائفية. ولأن أفرادها فلول تلقت الأوامر من ضباط مهزومين في أمن الدولة استخدموا ورقتهم الأقوى: «الفتنة النائمة بين المسلمين والمسيحيين».
المهزومون في أمن الدولة وأجهزة التلصص المحترفة في الشرطة يعرفون مفاتيح الملف الملعون: «خريطة كنائس في وسط شوارع كلها من المسلمين، وقصص حب مثيرة للنعرات الطائفية». كرات نار تشتعل تحت الرماد في القرى والمدن البعيدة عن القاهرة.
التمساح تحرك كله، البلطجية قادهم جنرالات خائبون إلى ملف الفتنة. والحكاية موجودة وقديمة ولا تحتاج إلا إلى شحن سريع، عاشق مسيحي وحبيبته المسلمة في قرية «صول» تابعة لمركز اطفيح (محافظة حلوان) على بعد ٩٠ كيلومتراً من القاهرة. المنطقة ربما لم تصلها كل أنباء الثورة، أو سقوط مبارك ونظامه وضباطه ومخبريه، أحدهم تحرك وأعاد العاشق إلى القرية بعدما أبعده المجلس العرفي.
الفتنة لا يزال دمها ساخناً. أكثر من ضحية لها يعيشون إلى جوار الكنيسة، إنه الموقع المناسب لإيقاظ الفتنة بالقرب من قلب الثورة، ومن اليد السوداء لجهاز أمن الدولة المصدوم في نهايته، والمطارد من ضحاياه. اشتعلت الفتنة في «صول» وهدم المسلمون الكنيسة وسط صيحات الانتصار «الله أكبر، الله أكبر» ودعوات للصلاة في موقع الكنيسة.
«غزوة» لا يعرف المنتصر فيها مدى هزيمته، ولا أنه مجرد أداة في يد منتقم فقد جبروته، لكنه لا يزال بكامل وحشيته يبحث عن مكان في النظام الجديد، قوة مجرمة تلهو في الشوارع، مجروحة، وتنتقل من السلطة إلى الثورة المضادة، من الهجوم إلى الدفاع عن مواقعها.
المنتصرون في تدمير كنيسة «اطفيح»، لا يزالون يبحثون عن موقع. لم تصلهم ثورة المدينة، لم تكسر رقبة السلطة الأبوية، ولم تقطع يد أجهزة الأمن التي دمرت أحد أركان الدولة المصرية الحديثة: وحدة المسلمين والمسيحيين تحت الدولة المركزية، كما لم يحدث طوال ٢٠٠ سنة من عمرها.
لعب نظام مبارك في أعمدة الدولة، واستخدمها جميعاً في ألعابه من أجل الخلود في السلطة. وبدلاً من نقل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين خطوة إلى الأمام في مجال التمدين والتعدد الديني، تعاملت أجهزة مبارك ببيروقراطيتها، ومزاجها المحافظ، بمنطق التلفيق والسيطرة عبر ربط جميع الأطراف بجهاز أمن الدولة، الذي أصبح في الأيام الأخيرة الجهاز السياسي، لا الأمني فقط.
الجهاز سيطر على «الفتنة» عبر أسلوب واحد: ضرب طرف بطرف، والتعامل مع أمراء طوائف، وجيوش غوغاء يتحركون بماكينات الشائعات. وبعد انتهاء الحرب مع تنظيمات الإرهاب المسلح، استطاع الجهاز تكوين ذراعه الديني من جناح السلفيين الآتي من هوجات توبة جماعات الجهاد بتنويعاتها المتباينة.
التوبة كانت مصيدة السلفيين لأداء دور الذراع الدينية في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، وفي إطار تحجيم الصوت العالي للبابا. إنها اللعبة السهلة، تحريك مشاعر الخوف على العقيدة وموقعها في مجتمع مضطرب، يحتل الجالس على السلطة المساحة كلها، وبجواره عصابة لا تسمح لأحد بالمرور. تغلق الممرات والقنوات كلها، تطرد الجميع خارج مركز الفعالية وتتبع أسلوب الإقصاء، وتضع بأنانيتها المفرطة الجميع تحت غريزة الدفاع الأولى عن الذات.
الذات هنا مطحونة، مقموعة، لا وجود لها إلا على سبيل الاستعراض المالي أو البحث عن تميّز بعلاقات مع أصحاب الثروة والسلطة. البحث عن مكان وسط الكبار المتمكنين من مناطق النفوذ. البحث عن الذات لم يتخذ طريقاً فردياً أو سياسياً، لكن عبر البحث عن جماعة صغيرة: العائلة أو المدينة أو الطائفة. انتماءات كلها تؤدي إلى طريق التطرف أو التعصب.
هكذا كان الطريق إلى الشعور بالتميز يمر إما عبر شبكة العلاقات مع الضباط وكبار حاشية مبارك، أو الانضواء تحت قطيع ديني أو قبلي أو أحد تلك الأشكال التي يمثل وجودها السياسي امتداداً إلى أوضاع ما قبل الدولة الحديثة.
في هذه الأشكال البدائية، وجد جهاز أمن الدولة ضالته. حجز موقعه، ووضع ماكينة شائعات قادرة على لمس العواطف المجروحة بأسرع من صوت العقل أو المنطق أو التفكير. هكذا سرت شائعة حرق مسجد عمر مكرم، ومن بعدها حرق الجامع الأزهر، لتكون محرك الحشد خلف جيوش البلطجية في معركة منشيّة ناصر.
المعركة بدأت بمسيرة احتجاج على هدم كنيسة «اطفيح». قطعت طريق صلاح سالم الشهير، وتحركت ماكينات الشائعات على مناطق عاطفية قديمة، وذاكرة تحتفظ بالقلق من أي تجمعات وسط العاصمة للمسيحيين. قلق لا يرتبط بالدين ولا بالطائفة، لكن بتقسيم مناطق الاستغلال، وهذه لعبة الحزب الوطني الذي كان حاكماً، وأطماع عضويته في السيطرة والحصول على تذكرة إلى نادي الثروة.
اشتعلت فتنة المنشية، وراح ضحيتها ١٣ قتيلاً، كلهم مسيحيون، قبل أن يتدخل الجيش بكامل قوته ويفصل بين الفريقين، ويصنع جداراً عازلاً بين عزبة «الزبالين»، حيث الفريق المسيحي أكبر، والفريق المختلط بين بلطجية أمن الدولة والغوغاء الباحثين عن انتصار تحت راية الله.
العزل لم يأت سريعاً. فالجيش لا يعرف الخريطة السرية للفتنة، مشعلوها مختبئون في بيوتهم، يديرونها من بعيد، ويتفرجون في وهم على أنهم سيحرقون مصر عقاباً على ثورتها.

هل ستواجه الثورة؟

جسم الثورة الضخم، يزيح أجهزة مبارك وأوكارها، لكنه لا يعلم من أين تأتيه رصاصات الثورة المضادة، وليس مدرباً على غزوات طائفية. لكنه جسم يقظ، جهاز مناعته فعال، ويحاول الآن مواجهة فيروسات زرعتها أجهزة مبارك، وتهاجم الجسم بضراوة المهزوم.
هكذا خرجت دعوات لمليونية وحدة وطنية وبناء كنيسة اطفيح من مسلمين ومسيحيين، وهي دعوات لزرع رمز جديدة لمجتمع كانت بذرته في ميدان التحرير، تجاور فيه المسلم والمسيحي، الإخواني والشيوعي، الرجال والنساء، في سبيل تكوين الجسم الفعال لإزاحة التمساح العجوز، الذي يريد حرق البلد قبل أن يغمض عينه لآخر مرة.




الشرطة تعود اليوم

ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط أن الحكومة المصرية الجديدة قررت أمس عودة الشرطة بالكامل للعمل اليوم. ونقلت عن بيان قول الحكومة إنها اتخذت القرار من أجل «حماية أمن الوطن والمواطنين». وقالت الوكالة إن الحكومة حثت المواطنين على «التعاون مع أجهزة الشرطة ومساندتها في القيام بواجبها».
وتعاني مصر حالة انفلات أمني تسبب وقوع حوادث عنيفة منذ الاحتجاجات التي أدت إلى تخلي الرئيس حسني مبارك عن منصبه.
وجاء في بيان مجلس الوزراء أن المجلس يعبّر عن «بالغ اهتمامه وقلقه مما يدور في البلاد فى ظل ما تمر به مصر من مرحلة دقيقة وحرجة تحتاج إلى تكاتفنا جميعاً للحفاظ على مصر وضمان أمنها وبناء نهضتها».
وفي وقت سابق اليوم، وافق المجلس على مشروع مرسوم بقانون يرفع عقوبة البلطجة إلى الإعدام في حالة التسبب في الوفاة.
(رويترز)