تونس | تونس تخطو خطوة عملاقة في سياق القطع مع ماضي الدكتاتورية. فبعد الإعلان يوم الاثنين الماضي عن حلّ جهاز البوليس السياسي، الذي نكّل بالتونسيين على مدى عقود، ها هي إحدى المحاكم التونسية تقضي على كيان آخر طالما نخر الحياة السياسية، وعطّل عمليّة التحول الديموقراطي في البلاد.

وأصدرت المحكمة الابتدائية في تونس صباح أمس قراراً بحلّ حزب «التجمع الدستوري الديموقراطي»، الحاكم سابقاً، وتصفية كل أملاكه، وذلك على خلفية الدعوى القضائية التي رفعها عليه وزير الداخلية التونسي فرحات الراجحي، الذي كان قد قرر سابقاً تجميد أنشطة «التجمع»، «للضرورة القصوى، ولمنع انهيار الأمن العام وحماية المصالح العليا للبلاد»، ولا سيما بعدما شهدت البلاد خلال الفترة التالية للثورة عمليات نهب وتخريب طالت المحال التجارية والإدارات العامة في العاصمة وعدد من كبرى المدن.
وألقت الشرطة القبض على المئات من المخربين، وبدا أن الأمر ارتبط بالدعوى القضائية التي رفعها محامون بتهم «الاستيلاء على أموال عمومية» على نحو 25 مسؤولاً قياديّاً في حزب «التجمّع».
ويعدّ حزب «التجمع الدستوري الديموقراطي» من بين أكبر الأحزاب في العالم، إذ إن خُمس السكان التونسيين هم أعضاء فيه. وتحوّل الحزب، الذي شارك في دحر الاستعمار الفرنسي، إلى وسيلة لقضاء المآرب الشخصية ولتلبية مصالح الوصوليين.
وقال المعارض الشرس للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، المنصف المرزوقي، إن «الحزب الحاكم في النظام السابق كان تجمعاً للانتهازيين، ولذلك حرق الشعب مقاره وتمسك بحلّه».
ولا يعترف الحزب بالممارسة الديموقراطية في داخله، فبعكس كل الحركات في العالم، لا يُنتخب المكتب السياسي للتجمع، بل يعيّن أعضاءه رئيس الحزب، الذي هو في الوقت نفسه رئيس الدولة، وفق منطق الولاءات. وللحزب فروع في كل المدن والقرى التونسية، ويفرض قبل الالتحاق بالوظيفة العمومية الانتماء إلى ما كان يسمّى «الشعَب المهنية» التي ترادف الفروع النقابية لكنها تخضع لسيطرة التجمع.
وحسب القوانين، يحق للتجمع الدستوري الديموقراطي الطعن في هذا الحكم لدى محكمة الدرجة الثانية، إلا أن المراقبين يستبعدون هذا الخيار على أساس أن هذا القرار لا يلقى تجاوباً من التونسيين.
ويبقى التساؤل عن مصير صحيفتي الحزب «لورونوفو» (الناطقة بالفرنسية) و«الحرية» اللتين توقفتا عن الصدور منذ يوم 14 كانون الثاني الماضي، ليجد قرابة 300 عامل من بينهم 80 صحافياً في عطالة من العمل.
من جهة أخرى، تتوالد الأحزاب السياسية التي تعتزم دخول المعترك السياسي، حيث حصلت دفعة جديدة من الأحزاب على الاعتراف القانوني وهي: حزب الوطن، وحركة الشعب، وحزب الأحرار التونسي، وحزب الوفاق، وحزب الحرية والتنمية، وحزب الحرية من أجل العدالة والتنمية، وحزب الحركة الوحدوية التقدمية، وحزب حركة شباب تونس الأحرار، وحزب حركة الوحدة الشعبية، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، ليصل عدد الأحزاب المعترف بها إلى نحو 31 حزباً، بينما ينتظر مسؤولو عشرين حزباً نصيبهم من الاعتراف، على أمل المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي التي ستكون الانتخابات الديموقراطية الأولى منذ إعلان الجمهورية سنة 1959، وخصوصاً مع التطمينات التي نقلها رئيس الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديموقراطي، عياض بن عاشور، الذي قال «هناك شهداء ماتوا من أجل الديموقراطية، لقد قامت ثورة حقيقية غيّرت العقليّات، والناس لن يقبلوا بالدكتاتورية مستقبلاً».
وأضاف «لهذا اتفقنا على المبدأ الأساسي وهو حرية التونسيين، يعني عندما تريد إلقاء خطاب في الشارع أو في مكان عام، فإنها لا تخاف من الأمن ولا من الاعتقال. هذا هو الموضوع. الديموقراطية هي راحة البال للحكومة وللمعارضة».