نيويورك | استبعد دبلوماسيون أميركيون فكرة إنشاء منطقة حظر جوي فوق ليبيا، بل طلب دبلوماسي أميركي رفيع المستوى من سفراء عرب إنشاء تلك المنطقة بأنفسهم. أما الأسباب فهي كثيرة، وشرحها محللون أميركيون بأنها تبدأ بالتكلفة الباهظة في ليبيا الشاسعة، ولا تنتهي عند احتمالات الخطأ وإزهاق أرواح المدنيين الليبيين والمقاتلين إلى جانب قوات العقيد القذافي. تطور من شأنه تقويض أي مكاسب سياسية ترتجى من التدخل.

فرض حظر جوي كما بات معروفاً ينطوي على شنّ هجمات كثيفة ومركّزة على الدفاعات الجوية الليبية إذا كانت جميع مواقعها معروفة. أما بعدما انتشرت الدفاعات الجوية، بما في ذلك أجهزة الرادار والصواريخ المضادة للطائرات، في أيدي المعارضة الشعبية الليبية، فقد بات من الصعب التمييز بين الصديق والعدو في أي غارة. والأميركيون مشهورون بشغف التدمير الشامل من دون تمييز، ولذلك تبعات جسيمة على مختلف الصعد.
يبدأ فرض الحظر الجوي بالغارات ويمتد إلى تسيير دوريات من أسراب الطائرات فوق مساحة ليبيا البالغة 1.8 مليون كيلومتر مربع. فقواعد الحكومة تمتد من طرابلس شمالاً إلى سبها وغات في الوسط والجنوب. وليس معلوماً على وجه التحديد أين وضع القذافي الصواريخ المضادة، رغم أن الدهر أكل عليها وشرب.
وعندما تتحرك الرادارات لرصد الطائرات، لا بد من أن تأتي الاستجابة الجوية فوراً، حسبما يرى المحللون العسكريون. وبالتالي لا مجال للتفكير إن كانت موجات صديقة أو عدوة، أو إذا كانت موضوعة داخل أحياء مأهولة بالسكان لحمايتها وتحميل المهاجم عواقب ضربها.
من الناحية العسكرية، ستؤدي منطقة الحظر الجوي إلى وقف طلعات طائرات النظام وغاراتها. لكنها لن تحسم الوضع العسكري على الأرض، حيث لا تزال الغلبة لكتائب القذافي النظامية المدربة والمجهزة بكميات وعتاد حربي يضاهي ما لدى الثوار بكثير. هذا لن يوقف مدفعية القوات الحكومية ولا دباباتها في الأحياء والمدن. ولا تكفي منطقة الحظر وحدها لزعزعة النظام، لأن التجربة العراقية برهنت عن قدرة على الاستمرار لمدة 12 عاماً رغم الكلفة المادية الهائلة التي وصلت إلى مئات مليارات الدولارات من تسيير عشرات الطائرات، وطائرات الاستكشاف والتزود بالوقود جواً. قضية باتت مهمة كثيراً في حسابات الإدارة الأميركية والغربية في زمن الأزمات المالية المستفحلة. أما مخاطر وقوع أعداد هائلة من الضحايا في صفوف المدنيين جراء الغارات التمهيدية، فهي عالية للغاية.
في هذا السياق، يرى محللون غربيون أن الحسم لا بد أن يأتي بإنزال قوات عسكرية برية تزحف على معاقل القذافي الذي أعدّ نفسه لمثل هذا الاحتمال منذ عقود. استعد القذافي عسكرياً وقبائلياً منذ مدة. وستواجه القوات البرية الغربية التي قد تتدخل خليطاً من المسلحين، الذين يصعب التمييز بينهم. منهم من سيطلق النار معها. وآخرون سيطلقون النار عليها. لا بل إن الكثير من الثوار عبّروا صراحة عن أنهم سيتصالحون مع القذافي ويحاربون إلى جانبه في حال حدوث أي تدخل أجنبي مسلّح، وربما عندما يطلبون فرض حظر جوي فإنهم لا يدركون أبعاده الفعلية.
الليبيون لا يزالون يعانون آثار الاستعمار الإيطالي حتى اليوم. وحتى لو سكت الثوار في البداية من أجل التخلص من الطاغية في طرابلس، ليس هناك ما يمنع دون انقلابهم لاحقاً على القوات الأجنبية كما وقع في أفغانستان والعراق.
لعل تأكيد ذلك يأتي على لسان القذافي، الذي هدد أمس بمقاومة منطقة الحظر الجوي واستغلالها لإثبات مطامع الغرب في «سرقة نفط البلاد». وقال في مقابلة مع التلفزيون التركي: «إذا اتخذوا قراراً كهذا فسيكون مفيداً لليبيا؛ لأن الشعب الليبي سيرى الحقيقة بأنهم يريدون السيطرة على ليبيا وسرقة نفطها».
فالغارات الجوية وحدها قد لا تسقط القذافي، بل تجعله يشن وقواته حرب عصابات منظمة في مساحات شاسعة من ليبيا. عندها يدخل الغازي في متاهات جديدة وتسقط منطقة الحظر الجوي تلقائياً.
على مستوى المصالح، رأى محللون أميركيون أن مصلحة الولايات المتحدة الآنية في ليبيا أضعف من المصالح الأوروبية، وفي مقدمتها إيطاليا، المتضرر الأول من سقوط النظام ومن المخاض العسكري الراهن. لكن الأوروبيين ليسوا على استعداد لخوض الحرب من دون الولايات المتحدة. أما إذا كانت هذه المهمة الإنسانية في ظاهرها، قابلة لأن تتحول إلى تراجيديا إنسانية، أفغانية ـــــ عراقية المقاس، فإن مصالح الولايات المتحدة من حيث الاستثمارات وفرص استغلال الثروات في النظام القائم أو المقبل، ستكون مضمونة أكثر بالابتعاد عن التدخل العسكري والاكتفاء بالدعم السياسي والإنساني.
لذا فإن أوروبا هي الخاسر الأول من الصراع الدائر في ليبيا. فهي من ناحية مضطرة إلى معالجة آثار الهجرة غير الشرعية إليها من القارة الأفريقية، فضلاً عن تكبد أسعار نفط عالية مؤثرة على اقتصاداتها المتعثرة. ومن ناحية أخرى تخسر الحليف الاستراتيجي (حكومة القذافي) في محاربة ما يسمى «الإرهاب». نظام كانت تتعامل معه استخبارياً على كل المستويات. كذلك إن خطر امتداد روح الثورة التونسية ـــــ الليبية إلى الجزائر والمغرب وغيرها من دول واقعة جنوب الصحراء الكبرى، بات شبه مؤكد في أماكن ينتشر فيها عناصر تنظيم «القاعدة في المغرب والصحراء».
لذا قد يكون الخيار الأفضل لهذه الدول مساعدة الحكومة المؤقتة في بنغازي، وتجهيز الثوار وتدريبهم على مواجهة خطر الطيران العسكري الليبي المتهالك أصلاً. وربما إذا تلكأت الدول الغربية في ذلك، أو تحاشته بسبب ما حصل للفرقة الخاصة البريطانية شرقاً، أو للطائرة المروحية العسكرية الهولندية غرباً، فستدخل قوى إقليمية أخرى لأداء هذا الدور بطريقة أكثر سرّية لمساندة ثوار ليبيا.