ليست السعودية على ما يُرام. تبدو مضطربة. الضباب الدولي من حولها كثيف. هي مُحاطة بمجموعة الدول العربية التي تشهد تظاهرات حقيقية، قد ترقى إلى مستوى ثورات تطيح أنظمتها الحالية. من الشمال حيث يحدّها العراق والأردن والكويت، مروراً بالشرق، حيث تحيط بها كل من الإمارات والبحرين، فيما يتربص بها يمن علي عبد الله صالح وسلطنة عُمان من الغرب.

لم تعد الدول التي تحيط بها مصدر القلق الوحيد، بعدما بدأت مملكة آل سعود تشهد اضطرابات لا تزال في طور النمو. انطلقت في جدة بسبب سيول أغرقتها، ووصلت إلى المناطق الشرقية. حيث أصيب ثلاثة متظاهرين شيعة أمس، عندما أطلقت الشرطة السعودية النار أثناء محاولة تفريق تظاهرة تدعو إلى الإفراج عن سجناء.
وذكر شاهد طلب عدم الكشف عن اسمه، أن إطلاق النار وقع عندما خرج ما بين 600 و800 متظاهر، جميعهم من الشيعة ومن بينهم نساء، إلى شوارع مدينة القطيف للمطالبة بالإفراج عن تسعة معتقلين شيعة.
لكن الأنظار تبدو متجهة نحو «اليوم»، الذي من المتوقع أن يشهد غضباً تيمناً بغضب الشعب المصري. أول من أمس، رفعت السلطات مستوى حال الطوارئ إلى الدرجة القصوى غير المعلنة في صفوف قواها الأمنية، تحسباً لخروج تظاهرات احتجاجية دعا إليها ناشطون على الفايسبوك، اليوم، في ما سمي «ثورة حُنيْن»، التي جمعت 33 ألف مشترك على شبكة التواصل الاجتماعي. وقالت شبكة «راصد» الإخبارية إن عناصر قوى الأمن الداخلي والقوات المسلحة وسلاح الجو والبحرية أُبلغوا المرابطة في مراكزهم وعدم المغادرة تحت أي ظرف.
رفع حال الطوارئ إلى الدرجة القصوى لا ينم عن مجرّد خطوات احترازية، بقدر ما هو تعبير عن قلق حقيقي من أن تتحول السعودية إلى تونس أو مصر أخرى. هذا القلق عبّر عنه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل أول من أمس، من خلال خطاب حادّ، سعى خلاله إلى توجيه رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة بعدم التدخل، بعدما دعت إلى ضرورة احترام حق السعوديين في التظاهر. وأكد «ضرورة لزوم مصلحة المجتمع»، مشيراً إلى أن «الإصلاح والنصيحة لا يكونان بالتظاهرات والأساليب التي تثير الفتن وتفرّق الجماعات»، شارحاً أن «تحريم» التظاهرات جاء بسبب «مخالفتها الأنظمة المعمول بها، التي ترتكز على الكتاب والسنّة».
«الشعب يريد إسقاط النظام» هو شعار رفعته «ثورة حُنيْن 11 مارس السعودية» على موقعها على الفايسبوك، محدّدةً جملة من المطالب هي «أن يكون الحاكم وأعضاء مجلس الشورى منتخبين من جانب الشعب، أن يكون القضاء مستقلاً بالكامل وسلطته على كل الأشخاص والميادين، إلغاء المباحث السياسية، ويكون الأمن في خدمة الشعب بالكامل، إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين وسجناء الحقوق المدنية ودفع الديون عنهم، السماح بحرية التعبير والتجمعات وجعل القضاء المرجع في منع أي نشاط، تعيين القوي الأمين في كل مرفق من مرافق الخدمات وتزويده الميزانية المطلوبة، الاهتمام الفائق بفئات المجتمع الضعيفة مثل الأيتام والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة، إلغاء جميع الرسوم والضرائب غير المبررة المفروضه على المواطن، فرض الحد الأدنى للأجور بحيث يضمن 10000 ريال لكل موظف في القطاعين الخاص والعام، توظيف العاطلين في كل الجهات الممكنة، ومن لا يمكن توظيفه يدعم مادياً بما يغنيه عن مد يده، إلغاء كل الالتزامات والديون الحكومية على الشعب وإلغاء الضرائب والرسوم غير المبررة، حل مشاكل المساهمات والأسهم وتعويض المواطنين من خلال أموال الذين سرقوهم، إلغاء كل أشكال الامتيازات الخاصة والحصانة لأي شخص إلا ما كان تمييزاً شرعياً، إنشاء جهاز رقابة مستقل ينفذ مشروعاً للقضاء على الفساد الحالي ويمنع أيّ فاسد جديد، تقويم السياسة الخارجية على ثوابت الوطن ومصالحه، وتحديد مهمّات السفراء على هذا الأساس، إعادة بناء القوات المسلحة بتجنيد وتدريب من يمكن تجنيده وتدريبه، وضمان التسليح المطلوب، إصلاح وضع العلماء بجعلهم قوة اجتماعية مستقلة بالكامل، وإلغاء كل القيود غير الشرعية على المرأة وتوفير ما يحميها من حملات التغريب».
صحيح أن الملك أعلن فور عودته إلى السعودية من رحلة علاج استمرت نحو ثلاثة أشهر، تقديم إعانات إلى السعوديين بنسبة 36 مليار دولار، تشمل خطة عمل لمساعدة ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، وإعانات بطالة ومساكن بتكلفة ميسّرة، إلا أنها بدت محدودة نظراً إلى مطالب المواطنين، وخصوصاً أن السعودية لم تتطرق إلى أيّ إصلاح سياسي.
حتى إن الإفراج عن الداعية الشيعي توفيق العامر، الذي كانت السلطات السعودية قد اعتقلته مدة أسبوع إثر دعوته إلى قيام ملكية دستورية، إضافةً إلى 9 مواطنين شيعة آخرين كانوا قد اعتُقلوا منذ سنوات على خلفية تفجير ثكنة الخبر عام 1996 من دون أن يُحاكموا، جاء بمثابة هدية رمزية لا ترقى إلى حقيقة مشاعر هؤلاء الذين يدركون جيداً القرار السياسي
بتهميشهم.
في السياق، كتبت كارين اليوت هاوس في صحيفة «وول ستريت جورنال»، أنه «يمكن تلخيص المخاطر المحدقة بنظام حكم آل سعود في جملة واحدة: الهوة بين القادة المعمّرين ومحكوميهم من الشباب الذين تتزايد أعدادهم تزايداً كبيراً، في وقت تتقلص فيه هوّة المعلومات بين الحكام والمحكومين»، مضيفةً إنّ «متوسط عمر ثلاثي الأمراء الحاكم في المملكة هو 83 عاماً، فيما تقل أعمار 60 في المئة من السعوديين عن 18 عاماً». وتطرقت إلى دور «القنوات الفضائية والإنترنت ووسائل الإعلام، التي ساعدت الشباب على إدراك حجم الفساد الحكومي. فنحو 40 في المئة من السعوديين يعانون الفقر، وما يقارب 70 في المئة منهم غير قادرين على شراء منازل. تعيش هذه الفئة من السعوديين كما يعيش مواطنو العالم الثالث، وخصوصاً أنهم يعانون ضعف التعليم وعدم القدرة على الحصول على وظائف في القطاع الخاص الذي تمثّل العمالة الوافدة فيه 90 في المئة».
تُلخّص هذه الأرقام حقيقة الوضع في السعودية، وتنذر بوضع لا تُحمد عقباه إذا لم يعمد الملك إلى إطلاق ورشة إصلاح حقيقية، تنتشل الشباب من معاناتهم، هم الذين ينتمون إلى بلد نفطي لا يبرّر أي تقاعس بحقهم.
قد يمضي «يوم الغضب» الذي دعت إليه مجموعة من الشباب بهدوء. قد لا يغضب الشباب أصلاً. قد لا ينزلون إلى الشارع ويمنحون الملك فرصة أخرى، إلا أن الوقت لم يعد في مصلحة آل سعود. ويبدو الحديث عن عرض السعودية شراء «الفايسبوك»، رغم نفيها لاحقاً، مجرد محاولة يائسة لإسكات الشباب. إنها لحظة الحقيقة. لحظة كشف الشعوب عما في حوزتها، التي قد تفوق «ويكيليكس».