صنعاء| ذهب الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إلى مؤتمر الحوار الوطني، الذي دعا إليه أمس في صنعاء، وهو يعلم جيداً أنه سيجد مواطنين أتوا مقابل مبالغ مالية دفُعت لهم كي يحضروا، بعدما تبيّن أنه جرى صرف مبلغ ثمانية مليارات ريال من أجل هذا المؤتمر الذي يُعرف فشله مسبقاً. صالح كان يعلم أنه سيذهب إلى ملعب مدينة الثورة كي يخاطب نفسه. فقد رفضت جميع أطراف العملية السياسية في البلد التجاوب معه، مؤكدةً أنه قد استنفد الوقت وأدوات الحوار كلها، ولم يعد يمتلك حتى القليل من الصدقية التي يمكن الآخرين البناء عليها لتأسيس قاعدة تفاهم.


ولذلك خرج مؤتمر الحوار الوطني ميتاً، على الرغم من تقديمه خريطة طريق إصلاحية، تمثّلت في الدعوة إلى صياغة دستور جديد على قاعدة الفصل بين السلطات، إضافة إلى إعادة تقسيم الجغرافيا اليمنية على قاعدة أقاليم كانت الدعوة إليها قد بدأت مع انطلاقة حركة الاحتجاجات في الجنوب اليمني عام 2006، لكن جرى التعامل معها بخفة وتجاهل. كذلك عرض صالح الانتقال إلى النظام البرلماني في الحكم، ونقل كل الصلاحيات التنفيذية إلى الحكومة المنتخبة برلمانياً في نهاية 2011 وبداية 2012، إضافةً إلى تأليف حكومة وفاق وطني وإعداد قانون جديد للانتخابات يتضمن القائمة النسبية.
وقد كانت هذه المقترحات هي السلة التي حملتها إليه قوى سياسية معارضة عديدة في فترات ماضية، قبل تأزّم الوضع ووصوله إلى نقطة ثورة شبابية أعادت صياغة المشهد السياسي في اليمن، وأدخلت إليه معطيات جديدة.
ويبدو الرئيس اليمني اليوم كأنه يقترف الفعلة نفسها التي ارتكبها نظيراه التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك قبل إطاحتهما، وهي إحساس الوصول المتأخر لفهم التسارع المطلبي وعدم التناغم مع حركته.
وكلما أتت موافقة صالح على مطلب للشارع وللمعارضة يكون الوقت قد تأخر كثيراً، ويكون سقف المطالب قد ارتفع عمّا كان عليه في السابق. فيظهر الرئيس اليمني مستجدياً الموافقة على ما كان قد عُرض عليه في فترة ماضية ورفضه، إضافة إلى تعقّد حركته التي كان يمارسها متنقّلاً بسهولة بين أطراف المعارضة اليمنية، ومتعمّداً الجلوس مع كل حزب فيها منفرداً. وكان صالح قد اقترب من نجاحه في شق صف المعارضة اليمنية الممثلة في أحزاب اللقاء المشترك، من خلال محاولات تكثفت الأسبوع الماضي، عن طريق لعبة تسريبات تعمّدت إخراج أنباء عن قرب التوصل إلى اتفاق يفتح الباب أمام إعادة الحوار بينه وبين أحزاب المشترك. لكنّ عقلاء في المشترك تنبّهوا إلى توقيت مناسب لما يدار، فأعلنوا منفردين أن لا حوار يمكن أن يحصل مستثنياً الشباب.
إعلان صريح مهّد الطريق لتأسيس علاقة متينة وواضحة بين ائتلاف شباب الثورة وأحزاب اللقاء المشترك، ظهرت ثماره عندما جاء ردّهما متناسقاً على مقترحات الرئيس صالح، حيث رُفضت تماماً واتخذ قرار بعدم التفاوض بشأنها مطلقاً. فالمطلوب رحيل رأس النظام وليس الحوار على أمور وقضايا قد صارت من الماضي. وأكد شباب الثورة مبدأ لا تفاوض ولا حوار مع السلطة، إلا بعد رحيل الرئيس، فيما قال الرئيس الدوري لأحزاب اللقاء المشترك ياسين سعيد نعمان إن الواقع تجاوز هذه المبادرة، ولو كان الرئيس قد تقدم بها قبل 6 أشهر لكانوا قبلوا بها.
ويبدو أن الثورة الشبابية قد انتقلت إلى منطقة متقدمة في ذهن الحاكم، وصارت تتحكم فيه. ولغة الحاكم باتت تعترف ضمنياً بانتفاء شرعية دستورية تعطيه مشروعية وجوده الحالي في سدّة الحكم، وتركز في المقابل على أن شرعية بقاء الرئيس في منصبه حتى نهاية فترة ولايته إنما تأتي من شرعية إنجازات قام بها الرئيس صالح ويجري التذكير بها ليل نهار. وهو ما دفعه إلى المسارعة، بعد انتهاء المؤتمر الوطني، للاجتماع بسفراء الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى السفير الأميركي في صنعاء. وأكد مصدر مطّلع على ما دار في اللقاء، لـ«الأخبار»، أن صالح عرض النتائج التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني، وردّ أحزاب اللقاء المشترك عليه بالرفض. وأوضح المصدر أن صالح أظهر للسفراء رغبته في انتهاج وسائل عنيفة لقمع الحراك الاحتجاجي المتنامي ضده والمطالب برحيله عن رأس النظام. وهو كان قد لمّح إليه مباشرة خلال المؤتمر حين قال إنه يعلم أن مبادرته سترفض، لكنه عرضها لـ«إبراء ذمته».




تظاهرات رفضاً للمبادرة


تأكيداً لرفض أحدث مبادرات الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، تظاهر عشرات الآلاف من اليمنيين في عدد من المدن عقب إعلان الرئيس اليمني مبادرته. وإلى جانب التظاهرة التي نظمت في ساحة التغيير، تظاهر الآلاف في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع جنوب اليمن، للمطالبة بإسقاط صالح. وردّد المحتجون هتافات مندّدة بنظام صالح ورافضة لأي حوار قبل تنحّيه عن السلطة.
في هذه الأثناء، كشفت مصادر صحافية في نقابة الصحافيين اليمنيين أن الأمن القومي يخطط لاعتقال عدد من الصحافيين المستقلين والحزبيين، وترحيل الصحافيين القادمين من الخارج، بالتوازي مع قطع شبكة الإنترنت والهواتف.
إلى ذلك، جدّدت الخارجية الألمانية تحذيرها من السفر إلى اليمن بسبب الاضطرابات المستمرة التي تشهدها البلاد. ونصحت رعاياها الذين تقدّر أعدادهم بما بين 200 إلى 250 بمغادرة البلاد فوراً.