نيويورك | فقد العقيد معمر القذافي السيطرة على معظم أرجاء ليبيا. واندفع الشباب الليبي من كل المدن نحو الحرية والتحرير. فُتحت مستودعات السلاح في المدن المحررة من سلطة الدولة، وخرجت منها كل أنواع الأسلحة. معظمها استخدم للدفاع عن المدنيين المستهدفين من كتائب القذافي ومرتزقته. لكن هناك مخاوف من تسرب أسلحة إلى أيدي عناصر وتنظيمات إما تبيعها لتنظيمات تصنّف بأنها «إرهابية»، أو تستخدمها لاحقاً لمآرب إجرامية أو سياسية خارجة عن نطاق الإجماع الشعبي الوطني.

مخاوف تؤرّق الحكومات الغربية والعربية والأفريقية على حدّ سواء، وتهدد الشعوب نفسها بأخطار داخلية. ماذا مثلاً لو استخدمت الأسلحة في نزاعات شعبية داخلية بين القبائل والعشائر؟ فالجزائر المتاخمة لليبيا لم تتعاف تماماً من الحرب الأهلية الدموية التي دارت على مدى أكثر من عام بعد إجهاض انتخابات 1991. وها هي القاهرة تعاني نزاعات دامية بين سلفيين وأقباط.
وللسلاح قيمة خاصة في الصحراء الكبرى، التي لا تعرف الحدود السياسية ولا السلطات الوطنية. كذلك إن نقل السلاح بمختلف أنواعه، التقليدية وغير التقليدية، في قوارب إلى جنوب أوروبا شمالاً، أو برّاً إلى مصر وسيناء شرقاً، قد يغير معادلات كثيرة في أسلوب التعاطي مع التنظيمات السرية المسلحة. تنظيمات تمارس النشاط المسلّح وتصيب به كما يصاب عناصرها.
والأخطر من هذا كله، حسب الدوائر الاستخبارية الغربية، أن الوضع الليبي المتشقق أدى إلى قطع أوصال شبكات الاستخبارات الحكومية التي كانت توصل معلوماتها إلى الوكالات الغربية بالتفصيل. هذا عدا التعامل معها وتوقيف «الإرهابيين» في المهد على الأرض مباشرة، مستخدمة الآلة الأمنية الداخلية. ولقد كان القذافي واضحاً في خطاباته وتصريحاته الأخيرة من تحذيره بأن ليبيا من بعده ستكون مرتعاً للتنظيمات الإسلامية المتطرفة من نوع «القاعدة».
كانت ليبيا قبل 2004 من الدول الراعية للإرهاب، بكل ما تعنيه العبارة من أعمال إجرامية وثورية. دعم القذافي مجموعة أبو نضال الفلسطينية التي اختلط لديها العمل الثوري بالتجسس والقتل المأجور. دعم نظام القذافي الجيش الجمهوري الإيرلندي وزوده بالسلاح، فضلاً عن ممارسة أدوار متقلبة مع الحركات الانفصالية والثورات الأفريقية بدون حساب. مع معمر القذافي اختلطت عنده المفاهيم وتقلبت الأهواء. وعندما «نضجت» نزواته وشعر بأن النظام بات على قائمة التصفية في الحرب على الإرهاب، نزع نحو عمالة مكشوفة. قدم كل ما لديه من أعتدة نووية مجاناً، ومارس «الوشاية» العسكرية بحق إيران. دفع عشرات مليارات الدولارات لكي يكون مقبولاً، وتخلى عن الاشتراكية وتبنى نظاماً رأسمالياً لاعناً المال في خطاب شهير ألقاه عام 2005، برر فيه الصفقات المكلفة بالقول: «يلعن أبو الفلوس». بعدها استُقبل في نادي «الزعماء الشرعيين»، حتى وصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ترأسها أحد رجاله علي عبد السلام التريكي في العام الماضي.
لقاء هذه «المصالحة» مع الغرب سُمح له بالاحتفاظ بكل أسلحته السرية، من غاز ومواد كيماوية، علّه يستخدمها في ضربات ضرورية للحفاظ على نظامه «المعتدل». هذه الأسلحة باتت اليوم مثار قلق عارم في دوائر الاستخبارات الغربية. الحرية من قيد القذافي قد تسمح لذئاب الصحراء وصقورها بالخروج والاستفادة من كل ما تصل أيديها إليه. وحتى الأسلحة التقليدية، من بنادق ورشاشات وقنابل يدوية وقذائف دبابات وصواريخ صغيرة، جميعها قابلة للاستخدام في أكثر من نزاع وفي غير مناسبة. المتفجرات مثلاً قابلة لأن تتحول إلى عبوات ناسفة عالية القوة يمكن استخدامها في أي حركات تمرّد، أو أعمال إجرامية إذا فلت الحبل على الغارب.
والمساحات الشاسعة، وعادة اقتناء السلاح في المنطقة تسمح بكل شيء. أما تهريب السلاح فيجري على يد مجموعات من كل الألوان، السمراء والبيضاء. وليس من الصعب الحصول على ذخائر للأعتدة الثقيلة والخفيفة بعد توقف النزاع المسلح، سواء كانت صينية أو أميركية المصدر. القوى المسلحة لن تعدم وسيلة ما دام لديها المال. بل كما دلت التجربة الصومالية، السلاح يجر السلاح، ويمكن تسييل السلاح للحصول على المال عند اللزوم.
قوات «المجاهدين الشباب» في الصومال كان لديها فائض كبير من الأسلحة المصادرة من مخازن القوات الإثيوبية، باعتها في كينيا وغيرها وحققت ثروات طائلة منها ساعدتها على مواصلة القتال.
بيد أن أشد ما يقلق في هذه الحالة المتكررة، من فيتنام إلى الكونغو مروراً بأفغانستان والعراق، هو تلك الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف. أبرزها صاروخ «ستينغر» الأميركي. ليبيا لا تملك صواريخ من هذا الطراز، الذي برهن على فعالية في حرب أفغانستان. لكنها تملك، حسب الخبراء الأميركيين، ترسانة مؤلفة من 400 صاروخ روسي من طراز «سام ـ 7» وأخرى من طراز «ستريلا 2». معظم تلك الصواريخ كانت موضوعة قرب الحدود الشرقية مع مصر، باعتبار أن القذافي كان يناصبها العداء ولا يخشى أن يأتيه الخطر من تونس أو الجزائر في الغرب. ظهر بعض تلك الصواريخ أخيراً في يد الثوار، واستخدم بعضه ضد طائرات العقيد التي شنت العديد من الغارات. ومع فقدان الأمل بفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، قد يُزوَّد الثوار بأنواع أخرى من الصواريخ المضادة لطائرات القذافي. خيار أسهل وأرخص، ولا ينطوي على تبعات سياسية أو إنسانية. لكن انتشار الصواريخ بأيدي عناصر غير حكومية يهدد سلامة الطيران المدني عموماً. وكانت الدول قد سحبت من السوق السوداء هذه الأسلحة على مدى عقود لكي تأمن شرّها حتى أصبحت عالية الثمن. ثمنها هذا قد يغري البعض ببيعها في السوق السوداء.
هناك في ليبيا أيضاً أسلحة الدمار الشامل الباقية، مثل غاز الخردل والمواد الكيماوية المبيدة. إذا وقعت هذه الأسلحة في أيدي جماعات أصولية أو تكفيرية متشددة، فقد تستخدمها ضد سكان المدن وتمارس القتل الجماعي في سفن وطائرات ركاب أو قطارات. هذا ما حصل في طوكيو في قطارات الأنفاق قبل وقت غير بعيد على يد جماعة «أوم شينيريكو» انتقاماً لرئيسها الذي خسر الانتخابات. وقد شاهد العالم فظائع غازات الخردل في حلبجة الكردية شمال العراق، وعلى الجبهة العراقية ـــــ الإيرانية في حرب الثمانية أعوام في ثمانينيات القرن الماضي. وهناك صور نقلت أخيراً أثبتت أن لدى ليبيا قذائف مدفعية مزودة برؤوس قادرة على حمل سلاح كيميائي، وبعضها مزود بالفعل برؤوس خطرة من هذا النوع.
في ليبيا يمكن نقل كل الأسلحة، بما في ذلك راجمات الصواريخ والمدافع المضادة للطائرات ومدافع الهاون وذخائرها عبر الطرق الصحراوية الوعرة التي يعرفها فقط طارقوها المحليون. وهذه قد تصل إلى أي مكان بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، ويمكن أن تغيّر معادلات في صراعات كثيرة عندما تستخدم على نحو مباغت. لو وقعت صواريخ متطورة مضادة للطائرات في أيدي قراصنة الصومال لأمكنهم مثلاً استخدامها أو بيعها في اليمن لعناصر «القاعدة في جزيرة العرب». وحتى الرشاشات المضادة للطائرات يمكن أن تصبح سلاحاً فتاكاً ضد الزوارق والسفن إذا ركبت على زوارق سريعة في أي من البحار الإقليمية، أو وضعت داخل شاحنة مغطاة لاستخدامها في أي مدن آمنة.
عندما تحدث القذافي عن فتح مخازن السلاح لـ«الشعب» لمحاربة من وصفهم بـ«الجرذان»، إنما قصد الثأر من الغرب الذي غدر به بعدما أدى دور الحامي لمصالحه على التراب الليبي لأعوام. ومن الواضح أن مخازن العقيد غنية بكل أنواع السلاح الذي لا يزال في صناديقه من دون استعمال. وربما لجأ، إذا وصل إلى مرحلة اليأس، إلى تفريغ مخزونه السري المحظور في هجماته المقبلة على المدنيين والثوار من دون تمييز.
في العراق وأفغانستان، استطاع الثوار صنع عبوات ناسفة من مواد أولية برهنت على فاعليتها الشديدة ضد القوات الأميركية والعراقية والشركات الأمنية. وبعد إتقان هذه الصناعة، يمكن أن تتحول حشوات الذخائر الليبية إلى عبوات أشدّ فتكاً من تلك المصنعة محلياً. تحدٍّ يصعب السيطرة عليه في المرحلة المقبلة.