صنعاء | عرف اليمنيّون الذين نزلوا إلى الشوارع للمطالبة بأدنى حقوقهم عمليات البطش والقتل. شاهدوا الدماء تسيل أمام أعينهم. رأوا زملاءهم يُقتلون. كل ذلك لم يمنعهم من متابعة مسيرتهم، بل ازدادوا إصراراً.. إلى أن فاجأتهم السلطات بالأسلحة الكيميائية.

كان مساء الاثنين الماضي هادئاً على غرار الأيام القليلة التي سبقته. ورغم الحشد الإضافي الذي ظهر جلياً عند مداخل «ساحة التغيير»، بعد نزول قوات إضافية مجهّزة بأسلحة فردية وعصيّ كهربائية، لم يقلق الشباب الكثر المحتجّون أيضاً عند المداخل نفسها، حيث شكلت أجسادهم ثلاثة حواجز متتالية لتفتيش الداخلين بدقّة خشية تسلل دخلاء قد يكونون محمّلين بالأسلحة أو المتفجّرات.
ويبدو أن الشباب المتواجدين هناك اطمأنوا إلى فكرة أن هذه القوات، والحشد الإضافي، لن تفعل جديداً بعد النتائج الكارثية التي انتهت إليها هجماتها الأولى. لكن مع اقتراب منتصف الليل، بدأ هجوم جديد بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيّل للدموع. هجوم كان شبيهاً بالهجمات السابقة، قاده جنود برفقة بلطجية، عمدوا إلى اختيار لحظات الهدوء واستغلالها كي يستفيدوا من عامل المفاجأة.
انتهى الهجوم بسقوط قتيل ووقوع عدة إصابات، لا تزال حالات بعضهم في دائرة الخطر الشديد حتى اليوم. لكن هناك ما لفت انتباه الأطباء في المستشفى الميداني ومستشفى العلوم، اللذين استقبلا الحالات الحرجة، وهو حدوث حالات اختناق شديدة، وضيق في الجهاز التنفسي، و«تهيّج» في الجهاز العصبي، وإفرازات مخاطية غريبة من الفم، وتشنج كلّي في الجسم، وارتعاش الأطراف، واحتقان في الوجه، وتوسّع في شرايين الرقبة مع صعوبة شديدة في التنفس، وشعور بألم شديد في القفص الصدري، إضافة إلى حالات اختلال في الوعي. أعراضٌ واجهها الأطباء للمرة الأولى، وهي ليست ناتجة من استخدام الغاز المسيّل للدموع. تركزت هذه الأعراض في نحو 17 حالة لم تستجب للعلاج.
في البداية، حاول الأطباء القيام بما في وسعهم للسيطرة على هذه العوارض التي أصابت الأشخاص الـ17، لكن الوضع كان خارج السيطرة، وخصوصاً مع عدم استقرار الحالات المصابة.
ومع استمرار الوضع على ما هو عليه حتى اليوم التالي، وجد الأطباء أنفسهم مضطرين إلى إعلان عجزهم عن التعامل مع هذه الحالات نظراً لإصابتها بغازات غريبة، يبدو من الواضح أنها تستخدم للمرة الأولى، ولا يمكن التعامل معها إلا بعد الكشف عن ماهيتها لمواجهتها بـ«المصل اللازم».
لدى دخول المستشفى الميداني في «ساحة التغيير» مساء أول من أمس، كانت صالة استقبال المرضى تستقبل شاباً يعاني حالة ضيق شديدة في الصدر، وبدا عاجزاً عن التنفس. وعند سؤال الطبيب المعالج: «هل من المعقول أن يبقى تأثير الغازات المسيّلة للدموع حتى ثلاثة أيام من استخدامها؟»، فأجاب باستحالة هذا الأمر، وقال إن «الغازات العادية المسيّلة للدموع لا يبقى أثرها في المصاب كل هذا الوقت، وأعراضها معروفة».
وشرح الطبيب محمد الصرمي أنه يرى مثل هذه الحالات للمرة الأولى، ما اضطره إلى عقد مؤتمر صحافي أعلن فيه أن «الغازات التي استُخدمت في مهاجمة الشباب في الساحة هي غازات كيميائية غير متعارف عليها»، مؤكداً أن «الغريب في الأمر هو عودة بعض الحالات التي صرّحنا لها بالخروج بعد شفائها، إذ عادت إليها الأعراض الأولى نفسها».
في المؤتمر الصحافي نفسه، أعلن حسني الجوشعي، وهو أحد الأطباء الذين أشرفوا على استقبال الحالات المصابة وعلاجها، «استحالة أن يكون الغاز المستخدم في الهجوم على الشباب في ساحة التغيير مجرد غاز مسيّل للدموع»، مؤكداً أنه غاز «يحرم استخدامه حتى في المعارك الميدانية». وأوضح أن «المصاب بالغازات المسيّلة للدموع يعود إلى حالته الطبيعية بعد عشر دقائق فقط من تعرّضه للغاز وابتعاده عن منطقة انتشاره»، مضيفاً إن «الحالات التي فُحصت ووضعت تحت التنفس الاصطناعي تصاب بالتشنج لنحو 14 إلى 24 ساعة، ثم تهدأ لدقائق لتعود ثانية إلى التشنج قبل دخولها في حالة غيبوبة». وتابع «الأشعة المقطعية للحالات التي استنشقت الغاز أظهرت تجمعاً لكتل مائية في منطقة الدماغ تحدّ من حركة الخلايا وتُدخل المصاب في حالة غيبوبة». وأكد أن الغاز الذي استُخدم «هو غاز كيميائي يحظر استخدامه»، مضيفاً «لا يمكن علاج الحالات المصابة بغير المصل المخصّص لمواجهة هذا الغاز».
وكُشف خلال المؤتمر عن 11 حالة مصابة بالشلل الكلي للجسم، عدا حالات مصابة بالهذيان وعدم الاتزان والتشنج المتواصل، وهو «دليل إضافي على أن الغاز الذي استُخدم هو نوع سامّ يستهدف تدمير الوصلات العصبيّة للجسم».
وفي السياق، قال الطبيب محمد الصرمي، المتواجد في المستشفى الميداني، لـ«الأخبار»، إنهم فتحوا قناة تواصل مع وزارة الصحة في محاولة للكشف عن نوع الغاز، وتمكين اللأطباء من الحصول على المصل اللازم لوقف تأثيره، إلا أن الوزارة «اكتفت بإرسال لجنة حضرت للكشف على المصابين من دون ظهور أي نتائج حتى الآن». وأضاف أنهم «كشفوا على العبوات الفارغة التي عُثر عليها في الساحة، فلم يجدوا فيها أي شيء يدل على ماهية العناصر المكوّنة للتركيب، إضافة إلى خلوّها من اسم الدولة المصنّعة، وهذا دليل أكد أنها مادّة محرّمة دولياً».
وتابع الصرمي أن الأمر برمّته «يثير الشك، وخصوصاً بعد نفي السلطات أولاً حصول هجوم بالرصاص الحي على الشباب، لتقول لاحقاً إن الهجوم لم يكن بالغاز المسيّل للدموع، لكنها اليوم تقول إن الغاز الذي استُخدم هو غاز مسيّل للدموع، وليس فيه أي مواد محرمة دولياً».
وأكد استناداً إلى زميل له أن «الأعراض التي عاينّاها هي الأعراض نفسها التي ظهرت على المصابين أثناء هجوم القوّات الروسية لتحرير رهائن محتجزين في أحد المسارح في موسكو قبل أعوام».
من جهة ثانية، نفى وزير الصحة عبد الكريم راصع ما تداوله البعض من أن القنابل الدخانية التي استخدمتها أجهزة الأمن خلال الأحداث التي وقعت قبالة بوابة جامعة صنعاء مساء الاثنين الماضي هي قنابل تطلق غازاً ساماً يصيب من يستنشقه بالتشنج، ويحدث خللاً في الجهاز العصبي قد يؤدّي الى الوفاة.
وقال في مؤتمر صحافي إن نتائج التقرير الذي خلصت إليه اللجنة الطبية يدحض تلك الادعاءات والمزاعم المضلّلة، ويؤكّد أن «القنابل المستخدمة هي قنابل دخانية مسيّلة للدموع، وتستخدم في مواجهة أعمال الشغب في جميع أنحاء العالم».




رسالة إلى القذّافي

استقبل الزعيم الليبي معمر القذّافي مبعوثاً شخصياً للرئيس اليمني عبد الله صالح. وقالت وكالة الأنباء الليبية الرسمية «واج» إن المبعوث الرئاسي اليمني سلّم القذافي رسالة من صالح «في إطار التنسيق والتشاور المستمرين بينهما». ولم تشر الوكالة إلى أي تفاصيل أخرى، ولا حتى إلى اسم المبعوث الرئاسي اليمني.
وكان الرئيس اليمني قد أجرى الشهر الماضي اتصالاً بالقذافي للاطمئنان إلى الأوضاع في بلده الذي كان قد بدأ يشهد احتجاجات مناهضة له. وذكر بيان صشادر عن الرئاسة اليمنية أن صالح أكّد وقوف اليمن مع ليبيا، وقال إن «ما تشهده المنطقة من حمّى الفوضى وأعمال العنف التي تستهدف زعزعة أمن دولها واستقرارها لا يخدم سوى أعداء الأمّة».
ويبدو أن صالح وسّع نطاق اتصالاته لتشمل جميع الدول التي بدأت تشهد احتجاجات، ومنها الأردن والبحرين.