صنعاء | خرج اليمنيون أمس إلى الشوارع للمطالبة بتنحية الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في «جمعة اللاعودة»، بعدما تحوّل يوم الجمعة من كل أسبوع إلى عنوان للتظاهرات المليونيّة.

وتدفّق اليمنيون بمئات الآلاف إلى الشوارع والأزقّة المحيطة بجامعة صنعاء في أكبر احتجاج تشهده العاصمة منذ بدء التظاهرات في كانون الثاني، في تأكيد حاسم لرفض اليمنيين للمبادرة الجديدة التي تقدم بها صالح أول من أمس، وقضت بإجراء تعديلات دستورية والانتقال إلى النظام البرلماني.
ولم تخلُ التظاهرات من اشتباكات بين جماعات صغيرة من المؤيدين للحكومة اليمنية والمحتجّين، ما أدى إلى إصابة نحو عشرة أشخاص، معظمها إصابات طفيفة. أمّا في تعز، فنظّم مئات الآلاف مسيرات احتجاجية تطالب برحيل صالح وتتضامن مع القتلى الذين سقطوا على أيدي بلطجية النظام.
وفي عدن، شارك آلاف الأشخاص في الاحتجاجات، مردّدين شعارات تطالب برحيل صالح وسط انتشار أمني كثيف. وحمل المتظاهرون لافتات كتب عليها «ارحل يا علي الطاغية» و«بحقّ الشهداء ارحل»، واتجهوا إلى حيّ القنصليات في المدينة.
وقال مصدر طبّي في مستشفى النقيب بحيّ المنصورة، إن المستشفى «استقبل 14 جريحاً بينهم ثلاثة أصيبوا بالرصاص الحي حالة أحدهم خطرة نتيجة إصابته في الرأس، وذلك بعدما فرّق عناصر الشرطة المتظاهرين لدى اقترابهم من مديرية خور مكسر، مطلقين الرصاص الحيّ والقنابل المسيّلة للدموع بالرغم من تعهد الرئيس اليمني الخميس بحماية المتظاهرين.
في هذه الأثناء، حملت إقالة صالح للعميد عبد الإله القاضي من منصبه في قيادة محور العند الجنوبي «اللواء 201 مشاة ميكانيكي»، وتعيين قائد من المحافظات الجنوبية بدلًا منه، دلالات عديدة. في ظاهر الأمر، يبدو هذا القرار استجابة رئاسية للمطالب القويّة بإبعاد أقارب صالح عن قيادة الجيش والمناصب العسكرية العليا. لكن القائد المُقال (زوج شقيقة الرئيس صالح)، هو والد البرلماني محمد عبد الإله القاضي الذي كان أول فرد من أفراد العائلة الحاكمة قدّم استقالته من عضوية حزب المؤتمر الشعبي العام احتجاجاً على الطريقة العنيفة التي تعاملت بها السلطات في قمع الحركات الاحتجاجية، ما يشير إلى أن قرار الرئيس صالح بإقالة القاضي من منصبه لم يكن استجابة للمطالب التي نادت باستبعاد أقاربه من الجيش والمناصب العسكرية العليا بقدر ما جاء عقاباً لصهره على الموقف الذي اتخذه نجله. وكان هذا الأخير قد تلقى «رسالة رئاسية» تمثّلت في تعرض منزله مساء الأربعاء الماضي لإطلاق نار كثيف من قوات مشتركة من الأمن والحرس الجمهوري، أدّى إلى إصابة شقيقه وأحد مرافقيه.
تطوّر يأتي ليؤكد أن الرئيس صالح لن يستثني أحداً من العقاب حتى لو كان من المقربين منه. كذلك تمثل إقالة القاضي رسالة للآخرين من أفراد العائلة، عمّا يمكن أن يحدث لهم إذا فكّروا في تكرار ما فعله نجل زوج شقيقته.
لكن يبدو أن الرئيس صالح اتّخذ هذا الإجراء في لحظة غضب، دونما تفكير في العواقب التي يمكن أن تحدثها قرارات إقالة قادة كبار في الجيش، خصوصاً في هذا التوقيت الحرج والصعب الذي يمرّ فيه.
عواقب سريعة لم يتأخر ظهورها كثيراً، تمثّلت في تمرّد سبعة جنود من اللواء الذي كان يقوده القاضي والكائن في معسكر العند جنوب اليمن، بعدما استولوا على نحو 200 بندقية كلاشنكوف واتجهوا بها نحو منطقة جبلية في مديرية القبيطة القريبة من المكان، حيث وزّعوا قطع السلاح على المواطنين. حدث هذا في وقت عقد فيه عدد كبير من مشائخ القبائل وعلماء دين وأعضاء في البرلمان اجتماعاً رأسه صادق الأحمر نجل الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر لـ«تدارس السابقة الخطيرة» المتمثلة في واقعة الاعتداء على منزل النائب القاضي، اكدوا بعده في بيان، أن للمواطنين الحق في تحديد خياراتهم السياسية، وحمّلوا صالح المسؤولية الدستورية والقانونية لما حدث. كذلك أعطوا الحكومة «مهلة قصيرة الأجل» لتقديم المعتدين ومَن وراءهم «كلّ باسمه وصفته إلى القضاء». ودعا المجتمعون إلى «عدم الزجّ بالقوات المسلّحة والأمن في حماية المصالح الخاصة أو تنفيذ أجندة ورغبات لا صلة لها بمصالح الشعب وعزّته وأمنه واستقراره»، وفي هذه النقطة انتقاد واضح لمشاركة القوّات الأمنية وأفراد من الحرس الجمهوري في ذلك الهجوم.
كذلك دافع المجتمعون عن التظاهرات الشعبية المتزايدة، وندّدوا بالهجمات المتكررة التي يتعرّض لها المحتجّون.
وبعيداً عن حالة الاصطفاف القبليّة والجهويّة التي حظي بها النائب محمد القاضي بسبب انتمائه القبلي، تشير التطورات إلى تنامي العزلة التي يعيشها صالح والقطيعة التي يواجهها وتزداد يوماً بعد يوم، وخصوصاً من مقرّبين له في العائلة والقبيلة وحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، بل حتى من مستفيدين كبار منه، ولعل أبرز هذه الحالات تتمثل في تقديم الملياردير توفيق عبد الرحيم لاستقالته من الحزب الحاكم، وهو المعروف بحالات تورطه في تهريب مادة الديزل المدعومة من الدولة. لكن، قد تختفي علامات الدهشة من استقالة عبد الرحيم، بعد أن يتبين أن توفيق ليس سوى صهر الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، مثله مثل الملياردير نبيل الخامري، ليتأكد أن أبناء الشيخ الأحمر وقفوا خلف هاتين الاستقالتين وأنهم يحقّقون النجاح تلو الآخر ضمن خطتهم الرامية إلى وضع صالح في عزلة كاملة تدريجاً.