الاختلاف على «التحرّك» كان عنوان قمّة الاتحاد الأوروبي أمس، التي افترق زعماؤها على دعوة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى القيام بـ«تحرك محدّد» لدعم الثوار الليبيين، الذين يواجهون هجوماً شرساً من قوات العقيد معمّر القذافي في شرق البلاد

طالب قادة الاتحاد الأوروبي، في ختام قمتهم أمس، الزعيم الليبي معمر القذافي بالتنحي فوراً عن السلطة، بعدما فقد كلّ شرعيته، ورأوا أن المجلس الوطني الانتقالي الذي أسسه الثوار في بنغازي هو محاورهم السياسي في ليبيا، في إشارة إلى الاعتراف بالمجلس.
وأشار قادة الاتحاد إلى أن دولهم ستدرس كلّ الخيارات الممكنة لحماية المدنيين، شرط وجود حاجة ظاهرة وأساس قانوني وتأييد في المنطقة، ودعوا إلى قمة عاجلة بين الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وأعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أنها ستُعقد قريباً، وفسر مراقبون أهدافها بدراسة القدرة العربية والأفريقية على فرض حظر جوي فوق ليبيا، بدلاً من قيام الاتحاد الأوروبي أو حلف شمالي الأطلسي بذلك.
وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد قال إن بلاده وبريطانيا تدعمان «أعمالاً محددة» ضد أهداف عسكرية تابعة للقذافي إذا أعطت الدول العربية ضوءاً أخضر لذلك.
وقد رفض عدد من الدول الأوروبية اقتراحات ساركوزي، بينها ألمانيا.
وأعلن الرئيس الفرنسي أن فرنسا وبريطانيا مستعدتان للمشاركة في توجيه «ضربات محددة الأهداف» إلى القوات الموالية للقذافي، وخصوصاً إذا استخدمت هذه الأخيرة «أسلحة كيميائية» ضد السكان. واقترح «إنشاء مناطق للمساعدة الإنسانية في شمال أفريقيا» «للتعاطي مع مسألة النازحين المقلقة» جراء النزاع في ليبيا.
وأيده رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، الذي قال إن الاتحاد الأوروبي ينبغي أن يستعد «لأي احتمال» من أجل طرد العقيد القذافي من السلطة، داعياً الاتحاد والمجتمع الدولي، إلى التفكير في فرض عقوبات على قطاع النفط الليبي.
إلا أن دبلوماسياً أوروبياً خفف من حدة تصريحات ساركوزي، مؤكداً أنه «لم تجر مباحثات بشأن تحرك عسكري فرنسي بريطاني» في ليبيا، والموقف الفرنسي البريطاني المشترك أثار قلق عدد من الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا، التي شددت مستشارتها أنجيلا ميركل، على ضرورة أن تملك أوروبا صوتاً موحداً حيال ليبيا. وكرر وزير الخارجية الألماني، غيدو فيسترفيله، موقف بلاده حيال فكرة تدخل عسكري، معرباً عن «تشكيك كبير» في الفكرة التي يدعمها عدد من الدول بإنشاء منطقة حظر جوي فوق ليبيا. وقال «إن منطقة الحظر الجوي ليست مشابهة لوضع إشارة سير، إنها هجوم بقنابل وصواريخ وأسلحة». وحذر من مخاطر «الانجرار إلى حرب»، داعياً إلى استخلاص العبر من العراق وأفغانستان.
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، قد قالت: «نحن نواصل التخطيط لكل الخيارات الممكنة، بما في ذلك فرض منطقة حظر جوي، وهذه الخطط ستقدّم إلى الحلف الأطلسي في 15 آذار».
من جهته، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن العالم عليه «واجب» منع حدوث مجزرة بحق المدنيين في ليبيا مماثلة للمجازر التي وقعت في البوسنة ورواندا. وأكد أوباما أن «الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عليهما واجب القيام بكل ما يقدران عليه للحيلولة دون تكرار ما حدث في البلقان في التسعينيات، وما حدث في رواندا».
وأضاف أوباما، في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، إن وقف عمليات قتل المدنيين هو أحد الأسباب التي دفعت الغرب إلى القيام بمراقبة جوية متواصلة فوق ليبيا. وقال إن الولايات المتحدة استشارت دولاً عربية وأفريقية لقياس مقدار دعمها لفرض حظر جوي على ليبيا.
وعلى صعيد التحركات الأممية، قال الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إن مبعوثاً جديداً للأمم المتحدة سيتوجه إلى طرابلس الأسبوع المقبل، لمناقشة القلق الدولي بشأن حملة القمع التي يشنها القذافي على المحتجين على نظامه.
في المقابل، وفي تكرار لتصريحات سابقة تستخدم الإرهاب والهجرة غير الشرعية فزاعتين في وجه الدول الأوروبية، جدّد القذافي تهديداته للاتحاد الأوروبي بأن بلاده «ستنسحب من التحالف ضد الإرهاب» وتمتنع عن «وقف الهجرة» غير الشرعية، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الليبية الرسمية. ووضع القذافي أمام زعماء الدول الأوروبية الذين اجتمعوا في بروكسل خيارين.
وقال القذافي: «إما أن تستمر ليبيا في محاربة عصابات القاعدة التي ظهرت في بعض المدن الليبية فجأةً، وتستمر في عضوية التحالف الدولي ضد الإرهاب، وأن تستمر ليبيا كذلك صمام أمان في شمال أفريقيا وتقف في وجه موجات الهجرة المتدفقة من أفريقيا نحو أوروبا، وعلى أوروبا كذلك دعم ليبيا في هذا التصدي للهجرة». أو «أن ليبيا ستكون مضطرة وغير ملومة في الانسحاب من التحالف ضد الإرهاب وتغيير سياستها كلياً تجاه القاعدة، وسترفع يدها عن الهجرة لتتدفق الملايين من السود إلى أوروبا».
وفي القاهرة، حسمت جامعة الدول العربية أمس، قضية مشاركة وفد ليبي تابع لحكومة القذافي ممثلاً بلاده في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية، الذي يعقد اليوم في العاصمة المصرية، حيث أعلن مسؤول في جامعة الدول العربية أن الأخيرة لن تسمح لوفد ليبي بحضور الاجتماع الاستثنائي. لكن ممثلي الجامعة قد يجتمعون مع المبعوثين الليبيين على هامش الاجتماع لبحث سبل إنهاء الأزمة.
وغداة إعلان مجلس التعاون الخليجي أن النظام الليبي فقد شرعيته، قال المتحدث باسم الجامعة العربية، هشام يوسف: «لا أعتقد أنه سيُسمح لهم (مندوبي القذافي) بالحضور، لأن قرار المجلس الوزاري كان بتعليق مشاركة الوفد الليبي». وأوضح أن الجامعة العربية لم تقطع كل الروابط مع حكومة طرابلس، قائلاً: «قد نلتقيهم، لكن ليس في إطار اجتماع مجلس الوزراء، لم يتحدد شيء بعد».
ومن المقرر أن يناقش وزراء الخارجية العرب اليوم إمكان فرض حظر جوي على ليبيا من خلال الاستعانة بقوات تابعة للاتحاد الأفريقي وعدد من الدول العربية. وأشارت مصادر من داخل الجامعة لـ«الأخبار» إلى أن هناك خلافاً في وجهات النظر بين ممثلي الدول العربية على آليات فرض الحظر الجوى، حيث ترى بعض الدول، ومنها مصر، أنهم لا يستطيعون المشاركة في هذا العمل نظراً إلى تكلفته الاقتصادية الباهظة، ولأنه يتطلب تحركاً عسكرياً على مدار الساعة، فيما ترى دول أخرى، معظمها من الخليج، أن فرض الحظر ضرورة تستدعي تكاتف كل الدول العربية حماية للمدنيين. لكنّ فريقاً ثالثاً، في مقدمته سوريا والجزائر، حذر من خطورة فرض حظر جوي، واقترح أن يجري العمل وفق شروط محددة تمنع التدخل الأجنبي.
في غضون ذلك، احتدمت المعارك بين كتائب القذافي والثوار على خطوط جبهتي الزاوية ورأس لانوف، حيث تضم الأولى أكبر مصفاة نفطية في الجماهيرية، فيما تتميز الثانية، الواقعة على خليج سرت (شمال شرق)، بوجود مصفاة رأس لانوف النفطية فيها، وأكبر مجمع للبتروكيميائيات في مجال تصنيع النفط والغاز في البلاد.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه مصادر الحكومة في طرابلس، أن قوات القذافي أعادت السيطرة على مدينة رأس لانوف بعد عمليات قصف مكثفة من الجو والبحر، أكد أحد قادة الثوار، العقيد بشير عبد القادر، أن رجاله شنوا هجوماً مضاداً ليلاً، وقال: «طُرد الجيش الليبي من رأس لانوف أثناء الليل من جانب فدائيينا. إنها الآن مدينة خالية لا أحد فيها».
وقال العقيد عبد القادر إن «طائرات القذافي أصابت صهاريج تخزين لمصنع إنتاج لشركة راسكو». وأكد مصدران آخران من المعارضة تصريحاته لقناة «الجزيرة»، لكن التلفزيون الحكومي الليبي نقل عن مصدر عسكري قوله إن القوات المسلحة نفت أنها قصفت مناطق سكنية ومصفاة في رأس لانوف.
من جهته، قال المتحدث باسم المعارضة في بنغازي، مصطفى الغرياني، «إن خط الجبهة يتغير من ساعة إلى أخرى»، لكن أحد الأطباء في مدينة البريقة (شرقي رأس لانوف) نقل عن الثوار قولهم إنه «لا تزال هناك جيوب مقاومة في رأس لانوف، وإنه لا تزال هناك بعض المعارك، لكن حالياً الجيش سيطر على المنطقة». وأوضح «أن تفوقهم (القوات النظامية) كامل، لقد أطلقوا النار من سفن، وهم يسيطرون على الجو».
وفي السياق، أعلن رئيس المؤسسة الوطنية الليبية للنفط، شكري غانم، الذي يقوم بمهمات وزير النفط، أن مصفاة الزاوية، عادت أمس إلى العمل بكامل طاقتها بعدما توقفت بسبب المعارك قبل ثلاثة أيام.
من جهة ثانية، قال المتحدث باسم وزارة خارجية جنوب أفريقيا، كلايسون مونيلا، إن الرئيس جاكوب زوما، أمر الخزانة بتجميد الأصول المرتبطة بالزعيم الليبي معمر القذافي ومساعديه. وقال إن «العملية جارية ونحن نكتب خطابات نبلغهم فيها أنه لن يسمح بخروج أموال من جنوب أفريقيا». ولليبيا أصول بمليارات الدولارات في أفريقيا من خلال شركات تابعة لصندوق الثروة السيادية الليبي البالغ حجمه 70 مليار دولار.
ومنذ بداية انتفاضة منتصف شباط، فرّ أكثر من 250 ألف شخص من ليبيا باتجاه البلدان المجاورة، حسبما ذكر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، ما أثار أزمة إنسانية، ولا سيما على الحدود التونسية الليبية.
(أ ف ب، يو بي آي، رويترز)