اختار النظام اليمني خوض حرب غير متكافئة في مواجهة المعتصمين في ساحة التغيير في صنعاء، بعدما حسم قراره بضرورة إخلاء الساحة التي تحولت إلى مركز للاحتجاج ضد حكمه، مهما كلف الأمر من إراقة للدماء. قرار انعكس بوضوح من خلال الهجمات المتوالية، التي بدأت القوات الأمنية اليمنية بشنها على المعتصمين، بالتعاون مع البلطجية، منذ فجر أول من أمس.

آخر الهجمات سُجلت أمس، عندما قُتل أحد المحتجين وأصيب أكثر من 100 آخرين، نتيجة إطلاق مسلحين بزيّ مدني ورجال الأمن الرصاص الحيّ وقنابل الغاز على المعتصمين في ساحة التغيير، ليرتفع عدد القتلى بين المعتصمين في الساحة خلال اليومين الماضيين إلى ثمانية. والهجوم هو الثاني من نوعه خلال 48 ساعة، بعدما هاجمتهم قوات الأمن فجر أول من أمس عند صلاة الفجر، مسببةً مقتل 7 أشخاص وإصابة أكثر من 300، جراح 50 منهم خطيرة.
وكانت السلطات الأمنية قد اختارت انشغال المصلّين بأداء صلاة الفجر، أول من أمس، لتشنّ هجوماً مباغتاً على المعتصمين في محاولة منها لإخلاء الساحة، بعدما عمدت إلى نشر تعزيزات أمنية في المنطقة. وأجبرت هذه القوات السكان المحيطين بالساحة على إخلائها، رغبةً منها في منع وجود أي شهود على ما كانت تخطط لاقترافه، قبل أن تفاجأ بقيام قنوات فضائية، بينها «الجزيرة»، ببث ما يتعرض له المحتجون مباشرةً على الهواء. ولم تكد ساعات الصباح تنجلي حتى تبين حجم الجريمة المرتكبة، بعدما كانت أجساد المصابين بالعشرات ممددةً جنباً إلى جنب على الأرض، وسط محاولة المشرفين على الخدمات الطبية في الساحة تقديم الإسعافات الأولية للجرحى، ولا سيما بعدما واصلت السلطات استخدام الغازات السامة وامتنعت في الوقت نفسه عن تقديم المصل المضاد لها إلى المستشفيات، مسببةً وفاة العديد من المحتجين.
كذلك عمدت السلطات إلى تأخير السماح لسيارات الإسعاف بنقل المصابين إلى المستشفيات، قبل أن يعمد عناصر تابعون الى اقتحام المستشفى السعودي الألماني وخطف اثنين من الجرحى الذين أصيبوا بساحة التغيير، فيما أعلن الناشط الحقوقي، رئيس منظمة «سجين»، عبد الرحمن برمان، أن بلطجيّة النظام أخفوا جميع المصابين الذين أسعفوا على متن سيارات إسعاف تابعة لمستشفى الثورة العام. وساهم العنف المتزايد للسلطات في تدفق المزيد من المحتجين إلى ساحة التغيير في صنعاء، حتى بات المعتصمون ينتشرون عند جميع المداخل المؤدية الى الساحة. وحمل المحتجون لافتات تصف الرئيس اليمني بـ«صالح الكيماوي»، في إشارة إلى استخدام غاز مسيّل للدموع، أكد الأطباء أنه يؤثر على الجهاز العصبي، ويسبّب حدوث حالات شلل، وكانت نتيجته إصابة 1700 من المعتصمين. وعلى المقلب الآخر، تعيش مدينة عدن توتراً شديداً بعد قتل قوات الأمن المركزي أربعة محتجّين أثناء تنظيمهم تظاهرات خرجت في منطقة دار سعد، تطالب بإسقاط النظام وتندد بالأحداث التي شهدتها ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء. وعلى الأثر، عمد المتظاهرون الى إحراق مباني الشرطة وسياراتها في منطقة دار سعد، فيما أقدمت القوات الأمنية على الانسحاب من المنطقة لتدخل في فراغ أمني، وسط خشية السكان من وجود مخطط أمني لإحداث فراغ أمني متعمد.
في المقابل، نشرت قوات الأمن المركزي عدداً كبيراً من قواتها بالقرب من ساحات الاعتصام في أحياء الشيخ عثمان والمنصورة، في عملية تصعيدية يبدو أن هدفها اقتحام ساحات الاعتصام خلال الساعات المقبلة، فيما انضم العشرات من طلاب وأساتذة جامعة عدن أمس إلى المعتصمين المطالبين بإسقاط الرئيس صالح، في خطوة من شأنها تصعيد الاحتجاج، إذ يعوّل كثيراً على انضمامهم كخطوة أولى نحو تعليق الدراسة في الجامعة حتى سقوط النظام.
أما في حضرموت، جنوب شرق اليمن، فسقط، أول من أمس، أحد طلاب المدارس عندما فرّقت قوات الأمن تظاهرة للطلاب خرجت تلقائياً تطالب برحيل صالح، فيما واجهتها قوات الأمن المركزي باستخدام الرصاص الحي والقنابل المسيّلة للدموع.
وفي ردفان في محافظة لحج جنوب اليمن، سحب الجيش اليمني قواته ووحداته العسكرية المتمركزة في القطاع الشرقي لمدينة الحبيلين، حيث كانت المدينة تشهد اشتباكات متواصلة بين مسلحي الحراك الجنوبي والقطاع العسكري المرابط شرق المدينة منذُ ما يزيد على أربع سنوات.
أما في تعز، فأصيب 7 متظاهرين أمس بجروح، أحدهم في حالة حرجة في مديرية المعافر، بعد مهاجمة مجموعة من الجنود، يرتدون لباساً مدنياً، محتجّين يطالبون بإسقاط النظام وبرحيل الرئيس على عبد الله صالح. وفي موازاة ذلك، تظاهر آلاف الطلاب أمس في مسيرات حاشدة جابت شوارع المدينة، وتوجهت صوب ساحة الحرية بوسط المدينة، التي تشهد تدفقاً غير مسبوق لحشود كبيرة للمشاركة بالاحتجاجات المطالبة برحيل صالح. وفي محاولة للتنصل من المسؤولية عن إراقة دماء اليمنيين، أمر الرئيس اليمني بتأليف لجنة تحقيق في الأحداث التي شهدتها العاصمة صنعاء، فيما عقد اجتماعاً مع عدد من قادة الدولة واللجنة الأمنية العليا للوقوف «أمام التطورات الجارية في الساحة الوطنية». وبدا واضحاً، من خلال الاجتماع، أن النظام يسعى إلى تحميل المعارضة والمعتصمين المسؤولية عن أعمال العنف الدموية التي شهدتها ساحة التغيير خلال اليومين الماضيين.
في هذه الأثناء، أثار العنف المفرط للسلطات ردود فعل محلية ودولية منددة. وفيما حمّلت المعارضة الرئيس اليمني المسؤولية عن الهجمات التي يتعرض لها المحتجّون، وصف الرئيس الدوري لأحزاب اللقاء المشترك ياسين سعيد نعمان الهجوم الذي قامت به قوات الأمن ضد المحتجين بـ«العدوان الخطير».
من جهته، أبدى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون «قلقه الشديد» حيال تدهور الوضع في اليمن، وندد «بالاستخدام المفرط للقوة» ضد «متظاهرين مسالمين»، فيما دانت وزيرة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كاثرين آشتون، استخدام الحكومة اليمنية القوة ضد المتظاهرين، ودعت صالح إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية فوراً لضمان حماية المتظاهرين وكفالة حقهم في التجمع بحرية.
ودعت الولايات المتحدة الى «الوقف الفوري لأعمال العنف» في اليمن، معربةً عن «قلقها العميق» لسقوط قتلى وجرحى خلال تظاهرات في الأيام الأخيرة، فيما أكدت السفارة الأميركية في بيان أصدرته، أول من أمس، رفضها لأي «مزاعم بأن الحكومة الأميركية تغاضت عن استخدام العنف من أي جانب»، مؤكدةً أن الحوار وحده هو الذي سيحلّ هذه الأزمة.
(الأخبار، أ ف ب، يو بي آي، رويترز)