صنعاء| قال الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إنه لا توريث في اليمن وكذّب كل الأقاويل التي تؤكد وجود التوريث. شدّد على ذلك في أكثر من مناسبة وسعى إلى تكراره، وخصوصاً بعد ثورتي تونس ومصر وتحقيق نجاحهما، لكن الوقائع تأتي لتثبت عدم صحّة أقواله. ولعل ثورة الشباب اليمني، التي تتمدد الآن لتصل إلى كافة فئات الشعب، خير مثال على

ذلك.
الهجمات شبه اليومية التي يشنّها مسلحون بزي مدني وقوات الأمن مثال تطبيقي، إذ إنها قوات مختلطة بين الأمن المركزي والحرس الجمهوري والقوات الخاصة، ينضم إليها شباب مسلحون بزي مدني، يأتون أحياناً في مقدمة هذه القوات أثناء عمليات الهجوم على مقر الشباب المعتصمين في «ساحة التغيير» أمام جامعة صنعاء، لاستخدامهم شرارة تعمل على إشعال النار في المكان. وبحسب شهود عيان، ظهر أن الغالبية من هؤلاء البلطجية إنما هم أفراد تابعون للأمن المركزي شوهدوا في أكثر من واقعة هجوم وهم يبدّلون ملابسهم العسكرية بأخرى مدنية قبيل تنفيذ الهجوم.
يتبع الأمن المركزي العقيد يحيى محمد عبد الله صالح، وهو نجل الراحل محمد عبد الله صالح، شقيق الرئيس علي صالح. ويحيى يقدم نفسه في المجتمع على أنه الفرد الأكثر مدنية، يحرص على المشاركة في فعاليات المجتمع المدني ودعم المقاومة الفلسطينية، التي خصص لها جمعية أطق عليها اسم «كنعان» (اسم ابنه)، واختار لها مقرّاً في مكان راق لكنه مغتصب من أملاك أحد المواطنين. يضع صورة غيفارا في مدخل بيته، ولا يتردد قي تقديم بناته الصغيرات وهن يعزفن على الكمنجة في صورة مغايرة تماماً للمجتمع اليمني المتحفظ. دعا عام 2005 الفنان مارسيل خليفة إلى أداء عدد من الحفلات الغنائية في محافظتي صنعاء وعدن رغم أنّ أغاني هذا الفنان كانت ممنوعة إلى فترة قريبة قبل قيام الوحدة اليمنية، لكن يبدو أن كل هذه الصفات تذهب جانباً عندما يتعلق الأمر بحماية الجمهورية التي
سيرثونها.
في الجانب الآخر، تقع مشاركة الحرس الجمهوري في تلك الهجمات المنتظمة على شباب التغيير. والحرس الجمهوري كيان عسكري مجهز بطريقة حديثة وتحت رعاية القوات الأميركية، التي تحرص على الإشراف المباشر على جهوزيته، ولذلك تجري عمليات ابتعاث دورية إلى أميركا لعدد من هذه القوات بغية المشاركة في عملية الحرب على الإرهاب. ويتبع معسكر الحرس الجمهوري بطريقة مباشرة للعقيد أحمد علي عبد الله صالح، نجل الرئيس صالح، وقد تسلّمه بعد عودته من الدراسة العسكرية في الولايات المتحدة، وبذلك كان تعامله مع الإدارة الأميركية سهلاً نتيجة لتقارب وجهات النظر في أمور أمنية كثيرة، منها بالدرجة الأولى ما يسمّى عملية الحرب على الإرهاب.
ولا يُعرف بدقّة ووضوح حجم قوات الحرس الجمهوري ولا ميزانيتها المالية، إذ تعدّ هذه المسائل من الأمور السرية التي لا يطّلع عليها أحد من الأجهزة الرقابية في اليمن، فكل ما له علاقة بـ «أحمد علي»، لا يمكن إجراء عمليه رقابية له، كما أنه يعدّ الواجهة الأولى في عملية التوريث التي بدأت فكرتها من أول عودة له من دراسته والبدء بتوطيد أركان عرش أبيه.
وبالتالي لم يكن مستغرباً أن يعدّ حربه الجديدة على «إرهاب الشباب»، بمثابة حرب خاصة له سيكون أمر كسبها من عدمه مسألة لها أن تضع مشروع التوريث على المحك. وقد فُعل الكثير للحفاظ على تركيبة وقوام الحرس الخاص وعدم إدخاله في أيّ حرب داخلية، وخصوصاً في حرب الدولة ضد جماعة الحوثيّين، لأنهم كانوا يعلمون جيداً أن مسألة إشراكه في هذه «اللعبة»، ستكون عامل إرهاق له وتبديد لطاقات يراد لها أن تبقى لما هو أعظم.
وبدلاً من دفع قوات الحرس الجمهوري إلى تلك المعارك التي استمرت على مدى حروب ستّ، أُشركت قوات الفرقة الأولى مدرعات التابعة للواء علي محسن الأحمر الذي كان يعدّ المعارض الأول لعملية توريث الحكم لنجل الرئيس، لكن رغم أن اللواء علي محسن الأحمر كان يعدّ حرب صعدة والقضاء على الحركة واجباً شرعياً بسبب من عقيدته الأيديولوجية السلفية، علم متأخراً أن مسألة إشراكه في تلك الحروب إنما كان هدفها إرهاق قواته وتبديدها دعماً لمشروع التوريث، وإضعافاً لعلي محسن وحده.
في جانب ثالث تشارك، من حين لآخر قوات الحرس الخاص، أو الحرس الجمهوري الخاص، وهي تتبع مباشرةً العقيد طارق محمد عبد الله صالح، نجل يحيى صالح. وهي قوات ماهرة وعلى درجة عالية من التجهيز والتدريب، مهمتها الأولى والكبرى أمن الرئيس صالح شخصياً، وهي تشرف على عمليات تحركه الداخلية والخارجية ويعود هذا إلى الثقة العالية التي يبديها الرئيس صالح تجاه طارق، ولهذا يترك له أمر حمايته الشخصية. وزادت هذه الثقة في الفترة الأخيرة التي تلت الحراك الجنوبي والحرب على الحوثية، لما يسبّبانه من قلق كبير على أمن الرئيس
الشخصي.
وتتكوّن قوات الحرس الخاص من عدد غير معلوم من الأفراد للسبب نفسه الذي يقع في إطار السرية التي تتعامل بها السلطات مع أرقام ومعلومات من هذا النوع، غير أن المؤكد أنها قوات مجهزة على درجة عالية ويُمنح أفرادها رواتب عالية مقارنةً بأفراد المؤسسات العسكرية الأخرى، وكذلك إجازات خارجية ومنحاً علاجية بغرض الاطمئنان إلى مدى جهوزيتهم الصحية وعدم تورطهم في مسائل إدمان قد تؤدي بهم إلى الوقوع فرائس سهلة بيد أجهزة أخرى تود النيل من حياة الرئيس صالح.
اللافت في الأمر أنّ مقر الأمن المركزي يقع من جهة الشمال للقصر الرئاسي ولا يبعد عنه سوى كيلومتر مربع من جهة الشمال الغربي، فيما يقع معسكر الحرس الجمهوري في الجهة المقابلة من ناحية شمال صنعاء، أمّا مجموعة الحرس الخاص بالرئيس صالح، فتقع داخل القصر الرئاسي نفسه، أي بالقرب من محل نومه وإقامته والمكان الذي صار من داخله يوجّه أدوات المعركة الدائرة اليوم لقمع حركة التغيير وذلك عن طريق الابن وأبناء الأخ الراحل.