يوم الثامن من آذار، حين خرج رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل بتصريحه الشهير ليعطي الزعيم الليبي معمر القذافي مهلة ثلاثة أيام للخروج قبل شنّ الهجوم عليه، كان عبد الجليل يضع نقطة التحوّل في إدارة المعارك العسكرية على المستويين التكتيكي والاستراتيجي في ليبيا.


في الناحيتين الغربية والجنوبية من الصحراء، كانت القوات الليبية التابعة لأبناء القذافي، التي تعرف بالكتائب، قد بدأت تتحوّل في أعمالها القتالية منذ يوم أو يومين، أي في السادس والسابع من آذار الجاري. تعدّدت أعمالها القتالية، ما بين حشد القوى، وتركيز المواقع القتالية، وبدء ضرب المناطق الغربية المشاركة في الثورة، والقيام بعمليات ليلية كثيفة، وإقامة كمائن، والتسلل، وتنفيذ إنزالات بالطائرات المروحية في الصحراء بالقرب من مناطق الثوار وفي خاصرتهم، وتنفيذ عمليات استطلاع ليلية متقدمة حتى الخطوط الشرقية والشمالية للثوار. وهي مجموعة من الأعمال التي لا تعرف الكتائب التابعة للقذافي القيام بها، أو لم تنفذها ولا حتى خلال حربها في تشاد، أعمال تحتاج إلى تجميع نتائجها واستخلاص المعلومات منها وتحليلها والخروج منها بخلاصات مفيدة ميدانياً ومساعدة في مرحلة الأعمال الحربية، أي تحتاج الى غرف عمليات وأجهزة استخبارات عسكرية متطوّرة وخبيرة غير متوافرة لدى الكتائب القذّافية.
وإذا كان هذا يدفع إلى الشك في أنّ القيادة العسكرية لكتائب القذافي تلقّت مساعدة فنية وإدارية من قوى أو خبراء أجانب، فإن عمليات بسيطة بقيت تنفذها مجموعات من اللجان الثورية في قلب مناطق الثوار الآمنة، سواء غربي بنغازي عاصمة الشرق، أو في داخل المدينة، أو على مستوصفات ومراكز عسكرية للثوار، أو في مناطق أخرى متنوعة.
وكانت القوات الثورية العسكرية الرئيسية في المعركة، تحتشد في منطقة قبيل العقيلة، خارج البريقة، وتستخدم عدداً من المرافق، ثكناً ومستودعات، تضع فيها ما تتمكن من جمعه من المناطق الأخرى الخاضعة لنفوذ الثوار من أسلحة وتجهيزات. وكانت هذه القوات تعاني تدفقاً عشوائياً لمتطوعين لا يحسنون فنون القتال، ولا حتى ألف باء استخدام بنادقهم الآلية التي اشتروها بما تيسّر لهم. كذلك تبحث القوات النظامية طوال الوقت عن مخازن أسلحة خلّفتها قوات القذافي وراءها لتستخدمها في المعركة التي تستعدّ لها، ولم تلتفت إلى تحليل الحركة العسكرية اليومية نهاراً وليلاً لقوات القذافي، قدر التفاتها إلى عمليات القصف الجوي، وأنباء إسقاط طائرة للقذافي هنا أو هناك. وحين أعلنت القوات لقيادتها السياسية موعداً مبدئياً لجهوزيتها القتالية لخوض معركة بن جواد ـــــ سرت، أطلق عبد الجليل تصريحه الأول بشأن مهلة الأيام الثلاثة، وقبل نهاية هذه المهلة بيوم واحد كان القصف التمهيدي لمنطقة رأس لانوف من راجمات القذافي قد بدأ.
مضت ساعات من القصف التمهيدي بصواريخ غراد على رأس لانوف، من دون أن يصدر تقدير للموقف بشأن طبيعة العملية العسكرية التي تتعرّض لها المنطقة. ففي ليبيا، الجيش النظامي الذي انضمّ الى الثوار، تعرض لتفكيك متواصل طوال 42 عاماً، وكان يُشرَك في عمليات قتالية يستخدم فيها كاسحاً للألغام أو يبقى قوات احتياط وحماية خلفيّة.
وبعد ساعات من القصف الصاروخي، بدأ التقدّم البري لقوات القذافي، التي استعانت بالطائرات العمودية والنفاثة لضرب أهداف في خطوط الإمداد واستخدام تكتيك الأرض المحروقة، وهو ما أدى في النهاية الى تشتت قوات الثوار المتطوعين، الذين أربكوا قوات النخبة في الصاعقة عبر سقوط قتلى وجرحى بالعشرات من المتطوعين. كذلك قوات النخبة عملياً غير قادرة على القتال النظامي لفترات طويلة.
ومع تعرض نقاط الإمداد في شرقي رأس لانوف، وخصوصاً في الطريق إلى البريقة للقصف، كانت كل رهانات القيادة العسكرية الميدانية تتراجع، إذ كانت بحال من الحماسة والسرعة وقلّة الحيلة ربما، وهو ما دفعها إلى حشد معظم قوّاتها وذخائرها في نقطة واحدة (جغرافياً)، من دون أن تنشر وحداتها ومخازنها في محيطها في الصحراء، نظراً إلى قلّة قدرتها على الشحن والتخزين، وإلى طول المسافات الفاصلة ما بين الجبهات (ما بين البريقة الجديدة ورأس لانوف نحو 150 كليومتراً).
من يوم العاشر من آذار الجاري إلى اليوم، كانت العمليات العسكرية تشهد حالة هجوم كاملة ومنسّقة لقوات الكتائب التابعة للقذافي، يقابلها تراجع في أعمال الثوار القتالية، وإذا خفّت حدّة العمليات العسكرية بعد استيلاء قوات القذافي على رأس لانوف (وربما البريقة أيضاً)، لإعادة تنظيم أوضاعها وتموين مخازنها، وخصوصاً بالوقود، فستحتاج القوات النظامية للثوار إلى العثور على مخازن أسلحة إضافية للتموين، وتحديد نقاط انتشار وتخزين وتموين جديدة، وإلى توزيع جديد لقواتها، وإلى تعبئة القوى البشرية مجدداً، وفتح خط إمداد المحروقات من جديد بين بنغازي والمواقع الجديدة في أجدابيا، التي قد تكون نقطة التموين والتمركز الجديدة.
كل ذلك سيتطلب أياماً ثمينة، يعيش خلالها أعضاء المجلس الوطني المؤقت حالاً من التردد والمراوحة تستمر في الارتفاع منذ اليوم الأول للثورة، حين وجد هؤلاء أنفسهم يقودون الثورة بالصدفة، وحين دفعهم الجمهور دفعاً، وساندهم الجيش النظامي، إلى القيام بثورة والاستمرار فيها ولو بالسلاح.
لكن عامل الساحة الداخلية وعدم تطهيرها سيكونان ضد مصلحة القوات الثورية، وضد استقرار الحياة في المناطق المدنية البعيدة عن ساحات المعركة، حيث سيمتلك منفّذو العمليات الخاصة خلف صفوف العدو المزيد من الثقة والخبرة بالعمل غير النظامي، وستزداد عملياتهم تنظيماً عبر جمع المعلومات وتحديد أهداف مؤذية ومؤثّرة على معنويات المقاتلين وأهل المدن، تماماً كما حصل في عملية الاعتداء على مراسلي قناة «الجزيرة» أول من أمس.