القاهرة | موقف معقّد أمام السياسة المصرية الخارجية تواجهه في التقارب مع الدب الروسي من دون المساس بالعلاقات مع الولايات المتحدة، في وقت تحاول فيه واشنطن إعادة شراكتها الاستراتيجية مع القاهرة إلى ما كانت عليه إبان حكم حسني مبارك، فيما تتزايد المصالح المشتركة مع موسكو، خاصة بعد إسناد المشروع النووي المصري إلى شركاتها، رغم حادث إسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء، في ظل تقصير أمني مصري غير خفي.


يبدو أن لعبة التوافق مع كل الأطراف وقول ما يرضي الجميع لن يكونا مهمة سهلة أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد اليوم؛ فمصر قدمت مواقف مساندة للسعودية في حربها على اليمن من دون أن ترسل جندياً واحداً إلى الأرض، فيما تتقارب مع قطر بحرص مع أن الحرب الإعلامية والاستخبارية والتمويلية بين الطرفين مستمرة. وكيف يمكن للقاهرة أن تعدّ تقييماً لإمكانية إرسال جنود إلى سوريا في ظل حل سياسي مرتقب تشارك هي في صياغة جزء منه عبر التواصل مع أطراف من «المعارضة السورية»، وأن تفعل كل ذلك وفي الوقت نفسه لا تغضب الرياض؟
من ثم جاء حادث إسقاط تركيا طائرة روسية حربية ليبعثر المشهد من جديد، في الوقت الذي أعلنت فيه موسكو تحالفاً علنياً مع طهران في المنطقة، وفي حين تظهر القاهرة الجفاء للأخيرة تودّداً للخليج.
أما معادلة التقارب المصري ــ الروسي، والمصري ــ الأميركي، فلم تعد تحتمل أكثر، ليس بسبب المتغيرات الدولية فقط، ولكن لتعقد شبكة المصالح لكل الأطراف. القاهرة الآن تحصل على معونة عسكرية سنوية قدرها 1.5 مليار دولار منها 1.3 مليار دولار عسكرية، وموسكو ستنفذ المشروع النووي الجديد فضلاً عن الأسلحة التي ستزوّد بها حاملتي الطائرات «دي ميسترال» اللتين شرتهما مصر من فرنسا.
المعادلة المعقدة لا يجد النظام المصري مفراً من الاستمرار فيها، مع تحمّل الخسائر الناتجة من ضيق الطرفين أحياناً ومحاولة إرضائهما بعقد لقاءات متوازنة مع مسؤوليهما من وقت إلى آخر، خاصة مع المسؤولين الأميركيين، في وقت أبلغ فيه السفير الأميركي لدى القاهرة الخارجية المصرية رغبة بلاده في زيادة أوجه التعاون، خاصة في «المجالات الإنمائية»، لتعويض المرحلة الماضية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في المشروعات التي تنفذها السفارة، وسط ترحيب مصري بذلك.
هذا ما يفسّره مصدر في الرئاسة المصرية، تحدث إلى «الأخبار»، بالرغبة في التوازن ورفض الانحياز إلى أي من القوى الدولية «حتى لو كانت هناك مصالح مشتركة»، مضيفاً: «الهدف المشترك لدول العالم الآن هو محاربة الإرهاب، ولدينا رغبة جادة في مساندة المجتمع الدولي للقضاء عليه. نحن مستعدون لمشاركة أي شخص نشعر بأنه يسعى إلى ذلك».
في هذا الوقت، تحاول واشنطن إعادة العلاقات إلى ما كانت عليه مع القاهرة في عصر مبارك، ولكن القاهرة ليست مستعدة لخسارة موسكو مجدداً، أو على الأقل من دون مقابل كبير، فيما لا ينسى السيسي ما جرى بعد إطاحة الرئيس الإسلامي محمد مرسي، وما أعقب ذلك من انتقادات أميركية مقابل مساندة روسية، مع أن السيسي قد لا يجد غضاضة في ذلك لو قرر فعل العكس.
وظاهرياً، إلى الآن، تبدو مصر داعمة لتحركات روسيا العسكرية في سوريا، بل ستدعم زيادتها قريباً، وهو الدعم الذي يتماشى مع منطق وجود خلافات بين القاهرة وأنقرة منذ إطاحة مرسي. وكذلك لا تزال القاهرة تصرّ على الروس من أجل رفع حظر الطيران إلى المطارات المصرية، بعدما تكبّدت خسائر كبيرة منذ هذا القرار.

يرى المصريون أن تصرفات تركيا الأخيرة تصبّ في مصلحتهم

ويرى النظام المصري أن تصرفات تركيا الأخيرة في مصلحته على عدة مستويات، أبرزها اعتبار أنقرة داعمة للعناصر الإرهابيين بسبب رفضها التدخل الروسي في نطاق الأماكن التي يسيطر عليها تنظيم «داعش»، وهو أمر يعني ضمنياً توفير الحماية للإرهابيين ومحاولة منع ملاحقة نفوذهم العسكري المتزايد، إضافة إلى أن ممارسة مزيد من الضغوط على السلطات التركية قد يكون في مصلحة مصر حتى توقف أنقرة التصعيد الإعلامي عبر القيادات الإخوانية الهاربة على أراضيها، وهم الذين تطالب الحكومة المصرية بتسليمهم عبر «الانتربول».
واستقبل السيسي يوم أمس وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، وذلك بعد يوم واحد على استقبال وفد أعضاء الكونغرس الأميركي، برئاسة النائب الجمهوري روبرت ويتمان، الذي يشغل منصب رئيس اللجنة الفرعية للاستعداد العسكري. وجدد الجنرال المصري تأكيده في اللقاء دعم بلاده أي تحركات دولية للقضاء على الإرهاب، مع إمكانية المساهمة في أي عمليات عسكرية في هذا الشأن.
أما خلال لقاء السيسي وشويغو، فإنهما اتفقا على توسيع التعاون في مجال تبادل المعلومات العسكرية، وحصول القاهرة على أي معلومات حول العناصر الإرهابيين في سيناء تتوصل إليها روسيا لتنفيذ عمليات، علماً بأن الوزير الروسي شدد على أن تقارير استخبارية تلقّتها موسكو اقتربت من تحديد طريقة وضع القنبلة على طائرة شرم الشيخ.
والتقى شويغو، قبل السيسي، وزير الدفاع، الفريق أول صدقي صبحي، كذلك عقد الوفد المرافق له اجتماعات مع قادة عسكريين مصريين لم يكشف تفاصيلها بعد، علماً بأن تسربيات إعلامية تحدثت عن تنسيقات مصرية ــ روسية بشأن التحركات العسكرية التي تباشرها موسكو في سوريا أخيراً.
أيضاً، التقى النائب العام المصري، المستشار نبيل صادق، نظيره الروسي، خلال زيارة الأخير للقاهرة. وعرض صادق ما توصلت إليه نتائج التحقيقات المصرية حتى الآن، وأقوال المسؤولين عن مطار شرم الشيخ، إضافة إلى نتائج معاينة مكان انفجار الطائرة، كذاك تسلم الوفد القضائي الروسي نسخة من التحقيقات المصرية مترجمة إلى الروسية.