موسكو | طعنة في الظهر وجهتها تركيا إلى جارتها روسيا قطعت الشك باليقين، وأشارت إلى ارتباط حكومة أنقرة بالإرهاب وتنظيماته المتنفسة من الرئة التركية. استفزاز تركي كافٍ، من حيث المبدأ، لإعلان حرب روسية عليها، جاء بُعيد تكثيف القوات الجوية الروسية ضرباتها لمنشآت النفط وخطوط نقله، التي تمرّ عبر تركيا لمصلحة «داعش» والتنظيمات الإرهابية.


فقد عبرت روسيا، التي تعاني من انخفاض أسعار النفط، عن استعدادها في فيينا لاستهداف قوافل نقل النفط من «داعش» إلى تركيا، الأمر الذي يمرّ تحت مرأى من واشنطن. إلا أن الاعتداء التركي جاء ليشوّش، أيضاً، على تعاون روسي ــ فرنسي بدأ، ولو استعراضياً، بإعلان قرب وصول حاملة الطائرات «شارل ديغول» إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط السورية، للانضمام إلى تشكيل من 12 طائرة فرنسية قامت بطلعات استعراضية على الإرهاب، انطلاقاً من مطارات تركية.
لكن موسكو ستنطلق في حسابات ردّها على العدوان التركي، من أن «حلف شمال الأطلسي» يعتبر أي اعتداء على دولة من دول حلفه اعتداء على «الحلف» كله، ويحق لروسيا في هذا المجال أن تعتبر أي اعتداء من دولة من دول «الناتو» اعتداء من قبل كامل الحلف عليها.
وتشير الأوساط السياسية والعسكرية الروسية إلى سلسلة إجرءات على مستويات متعددة دبلوماسية سياسية، عسكرية أمنية، اقتصادية تجارية واجتماعية.
أولاً، أتى الرد السياسي الروسي من مركز القيادة الأول، واصفاً المشهد بوضوح لا لبس فيه، فتركيا بحسب الرئيس الروسي دولة داعمة للإرهاب قد تضاف إليها دول أخرى ضمن لائحة تصنيف روسية. ولفت بوتين إلى أن الحادثة حصلت بعد جهد بذلته روسيا للتوصل إلى تفاهم بشأن التماس الجوي مع الولايات المتحدة، ما يحمّل واشنطن مسؤولية عن التصرف التركي.

البرلمان الروسي بصدد القيام بإجرءات تشريعية تطبق فيها عقوبات على أنقرة


وخلال لقائه الملك الأردني عبد الله الثاني في سوتشي، وصف بوتين الحادثة بأنها «ضربة في الظهر وجهها أعوان الإرهابيين». وشدد على أنه ستكون لإسقاط الطائرة الروسية «عواقب وخيمة» على العلاقات بين موسكو وأنقرة. وقال: «لقد كنا نتعامل مع تركيا كجارتنا القريبة بل وكدولة صديقة لنا. ولست أدري من الذي سيستفيد مما حدث اليوم، وهو ليس نحن على كل حال». وتساءل بوتين عن أسباب توجه تركيا إلى حلف «الناتو»، بعد حادثة إسقاط المقاتلة الروسية بدلاً من أن تتصل مع موسكو فور وقوع الحادث، «كأننا نحن الذين أسقطنا طائرة تركية وليس هم الذين أسقطوا طائرتنا». وأضاف: «هل هم يريدون تسخير الناتو لخدمة داعش؟».
في السياق ذاته، يضع إلغاء وزير الخارجية سيرغي لافروف رحلته المقررة اليوم إلى أنقرة، مسار التسوية السياسية واجتماعات فيينا وجنيف في خانة الفشل المسبق، كما بات مصير القمة الروسية التركية، المقررة في الخامس عشر من كانون الأول المقبل في مدينة قازان، موضع تساؤل ضمن مؤشرات على ترجيح إلغائها. ومن الإجرءات الدبلوماسية المطعّمة بنكهة عسكرية، استدعاء الملحق العسكري التركي إلى وزارة الدفاع الروسية وتسليمة مذكرة شديدة اللهجة، ما يعتبر إجراءً يسبق استدعاء السفير التركي في موسكو، التي قد تلجأ لاستدعاء سفيرها من أنقرة في خطوات لاحقة بحسب المراقبين.
البرلمان الروسي بطبقتيه، الدوما والمجلس الفدرالي، بصدد القيام بإجرءات إدانة وأخرى تشريعية، تطبق فيها جملة عقوبات على أنقرة رداً على الحادثة. ومن تلك الإجراءات وقف الرحلات الجوية ووقف السياحة في اتجاه الأراضي التركية. وقد بدأت شركات سياحية روسية، بالفعل، بتطبيق هذا الإجراء بعد نصيحة وزارة الخارجية الروسية للمواطنين بعدم التوجه إلى تركيا.
جاء الاعتداء التركي عن سابق إصرار و تصميم، ولا سيما أن طائرة الـ»سوخوي» كانت تحلق على ارتفاع 6 آلاف متر، ما يتعدى مجال إصابة صواريخ محمولة على الكتف تمتلكها تنظيمات إرهابية وصلتها عبر تركيا من السعودية، وضمن مسافة كافية داخل الأراضي السورية.
ويتوقع الخبراء والمحللون العسكريون الروس أن يؤدي الاستفزاز التركي إلى تطبيق منطقة حظر جوي فوق الأراضي السورية، ذلك أن القوات الروسية تمتلك من تقنيات برية وبحرية ومن وسائل دفاع جوي كافية وأخرى داعمة، تمكنها من تنفيذ الحظر، وهذا الأمر منوط وفق الخبراء، بقرار دمشق التي يتوقع أن تعلن الحظر على الطائرات المعادية. ويضع الحادث كل طائرة لـ»حلف شمال الأطلسي» وتابعة للحلف الذي تقوده الولايات المتحدة وتقوم بخرق المجال الجوي السوري، ضمن أهداف المعاملة الروسية السورية بالمثل، وما هي إلا مسألة وقت حتى يتم إسقاط طائرة تركية أو أميركية، حتى يتعقد سيناريو مسرح عمليات المجال الجوي السوري، لينذر بما لا يمكن توقع عقباه من تدحرج كرة النار لتتغير قواعد اللعبة وتصبح المواجهة بالأصالة، بعدما كانت بالوكالة لأعوام خمسة ولّت.
على هذا الصعيد، أعلنت هيئة الاركان للقوات المسلحة الروسية قرار موسكو بقطع جميع اتصالاتها العسكرية مع أنقرة. وجاء في بيان صادر عن هيئة الأركان أن إجراءات ستتخذ لتعزيز الدفاع الجوي، ومنها تموضع الطراد «موسكو» المزود بمنظومة صواريخ «فورت» المضادة للطائرات (مثيل لمنظومة «إس-300» الشهيرة) في ساحل اللاذقية. وليس من طريق الصدفة تزامن إسقاط الـ«سوخوي» مع استهداف مروحية روسية قتالية بصاروخ مضاد دروع، أطلقته مجموعات إرهابية، لم يعد خافياً على موسكو أن التحكم والسيطرة لقياداتها، تقع ضمن الأراضي التركية، وقد تكون هدفاً مستقبلياً للقوات الجوية الروسية. كذلك لدى موسكو معلومات مؤكدة عن وصول صفقة صواريخ مضادة للدروع صينية الصنع، اشترتها السعودية من أوكرانيا، وقد وصلت إلى المجموعات الإرهابية في شمال سوريا، عبر تركيا. القوات الروسية باشرت في تعزيز وجود قواتها الجوية، بتزويدها بطائرات اعتراضية تمنع استهداف قاذفاتها أثناء قيامها بضربات لأهداف المجموعات الإرهابية.
مسرح العمليات الجوية سيشهد دوراً أكبر لطائرات روسية اعتراضية، تحمي القاذفات من أي تهديد يأتي من طيران معادي. كذلك ستلجأ موسكو إلى تزويد أكراد سوريا بما يحتاجونه من سلاح لمواجهة الإرهاب، وما يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم من تهديد لا تخفيه أنقره لهم.